الفصل رقم 16:
ابحث عن المدن في صفحات الأصدقاء، في المجموعات التي تتكون بدون محاضر جموع عامة، وبدون وصل إيداع، وحده الفايسبوك من يطبق بالحرف "دمقرطة الولوج"... تشد انتباهي صفحة "زومي، افران المغرب غير النافع"... صور شجر التين والبرقوق الأصفر والزيتون... صور عشبة القنب الهندي، وصفيحة من حشيش... امرأة تحمل حزمة على ظهرها الذي ينيخ بفعل الثقل الرازح عليها... و زوج، يعب دخانا من "سبسيه" الطويل... و يمشي وراءها، يحرس مؤخرة اسودت بفعل القهر والتعب، يحرسها بسواعد وهنت بفعل الحشيش والكسل... اعرف قرية زومي، هي مسقط رأس والدي، كانت تشبه في كثير منها القرى اللبنانية، بأرزها وأشجار غلتها... يخترقها واد "غريوط"... ويقسم سكانها طريق مترب وملتوٍّ... كلما زرت مركز زومي، تحضرني مدن الملح، لعبدالرحمان منيف، وهي تحكي تحول البادية، إلى بنايات وسيارات وعاهرات بفعل ذلك البلاء المسمى بترولا... كان بترول زومي، صناعة الحشيش وزراعة عشبة القنب الهندي... عرف سكان القرية فواكه البلدان الاستوائية، وبدأ التجار يوردون حبات الأجاص، والمانغا... كان عمي، يحمل سلة التين في أواخر شهر ماي، ويمتطي حافلتين، واحدة للقنيطرة والأخرى للخميسات، ليلقي بها في حضن والدتي وهو يزفر كل الحر الذي اختزنه خارج المنزل... هذه تذويقة السنة، يجب على الأبناء أن يذوقوا خيرات بلادهم، الناس لاباس عليهم وكيشتاقوها... كان ينتظر أبي بفارغ الصبر لحين عودته من العمل، ينفحه مالا مقتطعا من خبزنا، ومن قنيناته، كي يعود أدراجه لزومي... كانت والدتي تكره التين لهذا السبب، تنبه طبيبها لذلك، فمنعه عنها لحلاوته، ولمرضها بالسكري... لم يعد عمي يحمل لنا سلة التين، اقتنى سيارة المرسيدس، وبنى منزلا بدورين... وحين يطلب منه أبي بعض المال، يتعمد إعطاءه إياه أمامنا، وأمام أمي وعماتي... كأنه ينتقم لمسافة الحافلتين اللتان كان يعبرهما، كي نذوق تين زومي... ما عاد الناس في زومي بالطيبوبة ذاتها، ما عادت زومي افران المغرب غير النافع... أصبحت مغربا مهمشا ومتربا... و أصبح سكانها بفضاضة حادة، وجرائم وعراك... صفحتها على الفايسبوك لا تشبهها، صورة من ماضي جميل، مثل كل صور الفايسبوك الجميلة... في لائحتي صديقة عاشت في زومي لسنوات طويلة... كنت أخبرتها بوجعي هذا، واحتفاء بها شاركتها ما كتبت عن زومي... قالت أنني أضحكتها، ثم أبكيتها. قلت لها، الكثير من الأصدقاء بكوا وهم يقرؤون بعض مما ينز من دمي، ما عدت ادري إن كنت اكتب وجعي، أم أقطع البصل... - لا تشبيهين زومي حبيبتي... - لا تناديني بحبيبتي... - هل كلمة حبيبتي: تغيضك ؟ توجعك ؟ تفرحك ؟ تشعلك ؟ تذكري شروط الجنون، قد لا أكون حبيبك، لكنك لا تستطيعين منع احد من أن تكوني حبيبته... كلمة حبيبتي توجع، أجبتِ... - توجع أم توجعك ؟ - كم يغيض هذا المبني للمجهول في شفتيك... ما أَنَرْتُ مصابيحك بكل هذا الحريق الذي سكبته في صندوق رسائلك ؟ قررت هذا الصباح أن أمارس الغواية ضد كل السيدات في لائحتي، كانت قصتنا، بهذا الوجع الذي يلوي بطن الفؤاد، طعم صيد في بحر الفايسبوك... أبهرتني فحولة كلماتي، وحزنت لهذا الكم من التعاسة التي تغلف نظرات كان عليها أن تكون عاشقة ومجنونة في أزقة المدن، وفي نعومة الأَسِرة، لا في دروب السيلكون... زاد من شموخك هذا التمنع... و انزويت في ركن من حزني، ومن ندمي لحرائق أشعلتها كذبا... كان علي أن أحب كل هاته النساء، كي أخلص ضميري من عناء الانتصاب... هو زمن الفايسبوك، انتصار لهذا الاختفاء الذي يغرينا، كلما حاولنا أن نمارس فعل الحياة... الفايسبوك كلمات، وصلات الجاز، تعليقات وفخاخ للغة والمشاعر... كانت مقالاتي تَيْنَعُ هناك، في الفايسبوك، تزهر كورود برية... ذات صباح، فوجئت برسالة في صندوق بريدي الفايسبوكي... "نلتمس منكم الحضور إلى سفارة الولايات المتحدة الأمريكية، للمساهمة في مائدة مستديرة حول الربيع العربي... " ركبت الرقم الهاتفي الملحق بالرسالة القصيرة... سيدي في علبة رسائلي دعوة اعتقد أنكم أخطأتم الشخص الذي تقصدونه... لا يخطئ الأمريكان، حتى الذين قالوا إن الربيع العربي فاجأ الأمريكان، أخطأوا في ذلك... كان ربيعا أمريكيا فاجأ العرب وحدهم... في ميدان التحرير، سالت قناني كثيرة للكوكاكولا، ودم عربي أقل... تفجرت قنابل مسيلة للدموع أمريكية الصنع، وبكى أطفال أقل... كان الفايسبوك، صفحة البوعزيزي بصورته وهو لهيبٌ، وصفحة خالد سعيد، بفمه الدامي، وعيونه الشاردة... تكلم الرئيس الأمريكي مع نظيره المصري، وحثه على عدم قمع المتظاهرين - لكنهم يطلبون رأسي، سيدي الرئيس... - لا... أنت ستشارك في ندوة حول الربيع العربي، أنت المقصود، بلحمك وهذه الرعونة التي تنفحها في كلماتك... معذرة سيدي، أنا بائع رخام... ما كان عندي هذا الوهج الذي زرعته في كبدي، كي أقول له إنني كنت سجينا... لكن حتما سيعرف الأمريكيون ذلك... كنت وفيا لجنوني: قلت لهم ما الذي جعلكم تستدعونني ؟ شرد الأمريكي الذي يتكلم العربية بطلاقة، في أعين المغربي الذي يتكلم بدوه الإنجليزية بطلاقة... أنهيت اللقاء شاهرا قلمي على أمريكا، وما عادوا يستدعونني... لعلهم عاقبوا أحدهم، من ارتكب حماقة دعوتي الأولى... خرجت ضاحكا ومنتصرا...
الفصل رقم 17:
يأتي صوتك دائما منفردا، لن أحاسبك على ساعات جوعي، استيقظت صباحا، كعادتي، كتبت في رسالة قصيرة: صباح المورتديلا، بي جوع إلى صوتك، هل لي بكسرة غناء تنير درب هذا السارد "الصكع "؟ أجبت كعادتك باقتضاب، وانتظرتُ لكن هاتفي لم يرن... انتظرت، وانتظرت، وانتظرت... ما غضبت، كأول أمس فأنا أعرف أن نزار لم يكتب سوى قصيدة غضب واحدة... و لو أني أشك، قد يكون نفذ من جعبتك الرصاص... تدبرين هروبك بشكل ماكر، هل تخشينني ؟ أم تهابين النص ؟ أم أنك وقفت على حافة النفس، تفاجئك أمكِ، وجدتك من أمكِ، وجدتكِ من أبيك... يجلسن القرفصاء في زواية دمك، أعني الذي يدور في شرايينك... لا الذي يغادرك لحظة حيض... يفتلن الكسكس، ويخبئن تعويذات حصلن عليها من فقيه مجهول... للمرأة قدرها، وللرجل شهوته، لا نافذة لك سوى من أهداك صداقك نِحْلة، لا نافذة لك سوى هذا الطعام... أما الجنون، والحب الذي يتحول، والوهج المتربص بارتعاش الفخذين، والنهدين النافرين كغمامة... و الحرية، والعشق، وأحلام مستغانمي، وسارتر... هذا الوجودي الأحمق... ليس سوى كلام فايسبوكي... ما عدت أغضب من صمتك، ما عدت أتمنى بوحك... تكفيني القبائل التي انتصبت في عينيك لتدافع عن الجاهز في قوالبنا من العلاقات... يكفيني هذا الحذر الذي ربط معصميك، وجعل حديثك معي بالميزان... كلماتك، حتى قبل تراجعك عن تبليل ريشتي بمداد عنفوانك، كنت أزنها بالقرط الواحد... الآن، وصوتك يتوارى خلف الانشغالات الباردة، والهدوء العائلي الرتيب... أصبحت كلماتك بلورات غير مرئية، أجهد كل فوانيس النفس، ومكبرات الصوت، كي ألمس نفسي ان ظل شيء منها عالقا في هدبيك، أفشل، أفشل، ثم أفشل... يحز في نفسي أن نبيذ الكتابة نفد... ما بقي سوى سيف الشاعر المسلط على رقبة كلماتي، يهددني بالتسفيه، إن أنا انسحبت من مضمار أنت من رسمه... تم منهزمة تركتك... لي مع الشاعر حكايات... تشعر بحب الآخرين حين يغضبون منك، ثم يسامحونك، ثم يدفعونك لهاوية الانتشاء... كان ملاذي في وجعي اللّغوي، كلما نام واو العطف على قارعة فارغة من معطوف... كلما أعيى النصبُ الحالَ، واتّكأ على كسرة زائفة... أو اختلط علي نون التوكيد، بنون النسوة، وأفرغت شهبي في غرفة هجرتها "كان"... و تركت أخواتها بدون وجبة عشاء... كان يأوي حروفي المهشمة في مصحته النحوية... يضمد مبتدأ مكسورا... و يشفي فعلا عليلا، يزرع الفواصل، ويجتث علامات استفهام منثورة بفوضى قبيحة... كان يمشط رأس مقالاتي، وينبت شعرها بدبابيس تخفي تجاعيد اللغة، ويختفي في صمت... لم يكن شاعر نوافذ، ولا شرفات من عاج... يحتمي بشعره، وبإعجاب الآخرين، حين يكتشفونه متأخرين كعاداتهم... حين قذفت بجنوني وجهه، ارتعش، وبكى... قام لصلاته وفاء، وعاد بشتيمة وسيف... استمددت رعونتي من بطش معلمي و خمنت أنني لن أستطيع الانسحاب... بعد رقصتين أو أقل، شمر على ساعد البيان، وانخرط في جذبتنا... أصبح حارسها اللغوي، وصاحب مهماز، أحسه في خاصرتي كلما استبد بي الوهن... أتاني الشاعر على جناح عائلي، ركام من قوافٍ وحرمان... انكسارات بين أفخاذ نساء، لعلها كانت إرثي الجيني الوحيد... أصعد بعيدا في تاريخ تكويني، لأقف على خيانات... هل باع هذا الوهم رفاقا في منعرج الطريق ؟ يدقق "القلم الأحمر" في تفصيل التفاصيل، يصنع غابة من الكلمات، كي يجتث الصهيل... و يكسر حوافر الفرس، كي لا تسابق الريح... ذلك ما لم يتعمده الشاعر... ربت على جيد المهر، أهداه قطعة سكر، وهمس في أذنه: لا عليك، فقط اكتب، اكتب... أنا الآن أكتب وحيدا، غاب فتيل الرغبة، سقط الماء في يدي محايدا، لا تشعر بانتعاش البرودة، ولا بألم الحريق، تشعر بغصة... حرج إعداد السرير، ونزع الثياب... مواربة الباب، كي لا تتحمل مشقة الطرق... رش الفضاء بالكولونيا... وخفتٌ للضوء... تناول الفياغرا، ما عاد الانتصاب مشاعا كالهواء... موسيقى تصاحب صوت محمود درويش، في ذبح الشهوة المسماة: درس من كاماسوطرا أنتظرك، ولا تأتين... وحده مهماز الشاعر في خاصرتي... كنت أركض في مضمارك شهوةً... أنا الآن اركض ألما... خاصرتي تنز دما، والشاعر في جذبتنا التي أدخلته إياها، يرفض الخروج... لن يودع المورتديلا في قمامة تفاهتنا... ينتصب هذا السجن اللعين، ألما في الكبد... ما هي صورتك الآن عني... و أنت تتوارين خلف خوفك المعجون بدهشة بُددت... فتحت علبة رسائلي مرة أخرى، كي أستل عبقك من حروف شيدت دهشتي حجرا حجرا. كتبت ذات اعتذار "أعتذر لك، لم يكن قصدي أبدا، ليست لي صورة كاملة لإحساسك نحن لم ننظر لعيون بعضنا بعد وإدراكي للأمور. تهيأ لي بأنك تتلذذ بمحاولة دفعنا للحافة فإذا بك تتدحرج خارج الحافة وبدون فرح, عندما وقفنا على رأس الحافة لأول مرة حدثتك عن فرحي الطفولي في التدحرج، لا تقتل هدا الفرح لأسباب افتراضية غير مؤكدة, قل كما قال الشاعر أطفالنا نحبهم مهما لنا فعلوا. أنا أقول لك مهما فعلتَ ستبقى في عيني ملاكا وستبقى كما شاء لي إبداعك أن أراك" لا أريد أن أكون طفلك، ولست أوديب... لا أحب نزار، حين يجيء اسمه على وزن بشار، ويستعير منه رويه الأخير، وفي غياب صديقي الدمشقي... تريدين لقائي، كي ننظر في عيون بعضنا، تعتقدين أن بعيوني سحراً ووهجاً... عيوني مبللة بدموع البكاء، وفي الحنجرة غصة لن أمنحك فرجة الانكسار، وأعرف أنك لا تريدين غوايتي... يؤسفني أنك لا تريدين غوايتي... هل تستطيعين رسم صورة لي، بعد هذا الشوط من الركض الذي تعبت فيه، ما انقطعت أنفاسك شهيقا، وإنما دب العياء في وهج عينيك... أصبحت رسائلك القصيرة في هاتفي بدون وهج شعري... أكتب إليك صباح العيد... هو طعم البنفسج. تواطؤنا الذي اخترعناه ولم نتوافق على اقتسامه. أحسه في صباح العيد هذا، ابحث عنك كي أهديك إياه، لا أجدك، كما لم أجدك وأنا أنزف على قارعة الألم... انتظرت، ملا محك تسبح في كلمات رسائلك... انتظرت، ما رنَّ هاتفي، ولا غمرتني بغتة ملامحك... متصلب أمام الحاسوب، وأمام هاتفي النقال... أمني نفسي بمداهمتك لي، طيفك، كلماتك... يأتي ردك شاحبا، بدون شعر... و بفرنسية تقريرية، كما لو كان محضر شرطة... و بيانات الفواتير المزورة... Ne laisse aucune douleur changer le goût de cette matinée هل تعرفين معنى الألم ؟ ما الألم سوى إحساس... الألم ذلك الصداع الذي ينبهك بدون انقطاع في جزء من جسدك، أنت لا تأبهين بركبتك، لكنها حين تؤلمك، تداعبينها، تضغطين عليها كي تطردي ألمها، يتكثف تحت راحة يديك وتشعرين بقليل من الخدر... لألم الروح صفير كطنجرة ضغط... حين تختنق صفارتها، يكون الانفجار محتملا... أتراجع قليلا إلى الوراء، كتيس يهدد بالنطح... أعيد النبش في صوتك، في رسائلك... كان علي أن اكتب هذا البوح بلغتين، وكان من المفروض فيك أن نتدحرج معا، من قمة جبل الجهل، إلى قاع حافة الشهوة... متعانقين، جسدي حديقتك، وأنا بستاني المفتوح على الدهشة والصهيل... قل لي ماذا تريد أن تبني في نصك ودعني أتقمص الشخصية... ؟ تذكرين يوم كان جوابك على سؤال لي: سؤال بليد ؟ لأني ما التقطت عطرك من ثنايا كلماتك، ولا شرعت صدري لرغبتك في الارتماء على صدري، وافتراسي... معذرة فللانتقام في حياتي شكل الخبز اليومي، سؤالكِ بليد يا حبيبتي... لا أريد غانية في سرير النص، تنزع ملابسها كالواجب العسكري، وتستلقي على ظهرها، تفرك ما بين فخديها بمرهم مرطب، وتغمض عينها في انتظار أن أهوي بفأسي، وارتخي... حين يطول انتظارها، تفتح عينيها على ارتخاء الخيزران... تسألني، كما كان سؤالكِ: أي وضعية شبقية تريد حتى أستلقي وفقها على سريري، كي نخلص من هذا الواجب وننصرف... لا أريد سيدتي سوى وهج كنت أحسه في كلماتك، فخبا... لا أريد سوى ما كنت تكتبينه بي، حين كنا على رأس الهاوية، واتفقنا على التدحرج سويا، متعانقين، في منحدر هذا البوح المجنون المطرز على زرقة الفايسبوك... عجز الإنسان عن الزيادة في مساحة الفضاء الذي يأويه، فاخترع الفايسبوك نقل إليه ما يعتقده الإنسان ضروريا كي يبني مدنا تسعه... نقل إليه الحب... والغضب... والكلام... أثثه بالعلاقات، ورخص لقاطنيه ببناء مجموعات... كان لابد من بعض الأشجار والسناجب والزهور... فرخص باستعمال الصور... منع العطور، لأنها رائحة، وفي الهواء ما يزكم الأنوف... ترك على الأرض الطعام، لأنه لا مكان في الفايسبوك للفضلات... منع كل ما يحد من الجنون: لا قانون للنشر، اكتب ما تشاء لا فرامل للبوح، أحب من تشاء لكل مواطن طريقه، يشرك فيها من يشاء، ويمسح من لائحة أصدقائه من يشاء... وضع ستائر عديدة للاستعمال، كل حسب نرجسيته: تستطيع أن ترى صوري، وإن شئت منعت عنك مهنتي، وسني، لا أدري إن كان يهمك كوني عاشقا أو لا زلت أبحت عن عرش لأبسط به ملكي، متدين أو بدون لون لله... هي ستائر مشاعة، لا يعترف الفايسبوك بالنخبة، القاطنون من يستطيعون صنع الغيتوهات... نسج الفايسبوك الثورات، كامرأة تعجن الخبز، وتسلُ شعيرات تسللت في غفلة منها لعجينها، ما كان ينقص الشباب في الدول التي عرفت رياح الثورة هو فضاء للحديث، بكامل الحرية والعنفوان، وفي غياب رقابة الدولة البليدة... علمتنا تجربة مصر، أن عيون البوليس كانت تراقب الأجساد، بينما الثورة تصنعها الأفكار والأحلام والآلام، وهي ما يمكن فصله عن شوارع المدن وأزقتها، ومقرات جمعياتها وأحزابها، ووضعه في الفايسبوك، حيث تنمو بسرعة بفعل سماد الحرية وماء الحوار... سخر جمال مبارك عبد الناصر، ولي العهد الرئاسي سابقا في مصر، من شباب الثورة، ونعتهم بعيال الفايسبوك، ما كان على هذا الأخير، وعلى العيال سوى الثأر لوجع الاستهزاء، فألقوا بجمال ووالده، وكل الذين لم يستوعبوا زمن الفايسبوك في زنزانات الحياة، خارج الحياة نفسها، وخارج الفايسبوك... لم تترك هذه الأحداث، الأنظمة الأخرى، دون رد فعل اتجاه هذا الفضاء، لعل أبلدها كان تصريح رئيس دولة عربية، يخلط في شخصه بين ضرورة الله وحكمة الشيطان، وهو يقول إن الفايسبوك قانوني لكن ولوجه حرام... نبتت في هذه الزرقة، ثكنات عسكرية، ومخافر شرطة، وهراوات... و أصبحت دول العبيد أكثر حضورا، وأصبحت الشوارع والطرق محروسة... في لائحتي مخبرون كثيرون... بوليس بزي مدني... و آخرون ببرقع أفغاني... مناضلون حقيقيون... و أشباه مناضلين، أنصاف وأرباع... نساء كثيرات، قليل منهن عاشقات، وأغلبهن يبحثن عن المجهول فيهن، ولا يجدنه...
الفصل رقم 18:
في لائحتي نساء يشعلن فوانيس الحياة في البلاد، لفح الشمس على نضارة خدودهن... كانت تحمل من الأسماء "آمين"... Ainsi-elle لغتها الفرنسية الرخيمة، تعطيك الانطباع بأنها تحدثك من شارع شانزليزيه... حبورها يشع على لائحتي كل صباح... تحية صباحية سيدي... لم أعرف كيف أوحي اليها أن تناديني بالباطرون... لم أسألها، في الفايسبوك، لا نسأل الأصدقاء على ما يفرحهم، وما يفرحنا... نتواطؤ في الفرح، ونحيا... تضع سامية جيمها على تحيتي الصباحية... شكرا الباطرون على هذه التحية... اضع بدوري "جيم" على تعليقها... التحق رشيد، مسكونا بفرنسيته التقنية، وبشروده السياسي... حفظ الله البلد والملك من الفتنة... أضع جيم على تعليقه... اعرف أن نعيمة تحدثت مع سناء حول صفحتي... طلبت صداقتي... غرفتي مشرعة للبهاء، مرحبا... كنت قد عينت سناء رئيسة لما سميناه قطيعا، امتنانا لها لتعييني "باطرونا" لذات القطيع... نعيمة امرأة بفورة الحياة... في مماحكة مرحة، تحاول إزاحة سناء من رئاسة القطيع... لا يمكن الاستغناء عن الرئيسة، لكن نعيمة أبانت عن مهارات عالية في التزلف السياسي... تم تعينها "لحاسة الكابة المؤسساتية"... و تم تعين رشيد، سكيرا، تكلفت نعيمة باسترداده من مخافر الشرطة كل ليلة... سامية توزعت بين مفتية القطيع، وحارسة وضعه الصحي، بعنفوانها الجميل، كانت لا تبخل على الأعضاء بإرشاداتها الطبية... يلتحق آخرون بالقطيع، يعلقون، يضعون جيماتهم... كان القطيع مشرعا على الفوضى، كنت نواته، والرئيسة وأصدقاء قليلون... لكن الكثيرين يراقبون القطيع، يبتسمون، يقهقهون... في الشارع، يحييك رجل لا تعرفه، أهلا السيد الباطرون... وامرأة تقول لك أنها ترمي وجعها جانب السرير، وهي تقهقه لجنوننا... لنعيمة أخت هددت بتأديبي، لأنني وبخت نعيمة افتراضيا... و آخرون فاجأهم مرحها، هي التي تضبط علاقاتها على عقارب الالتزام والجدية... حين تنفرد بحاسوبها، تتعرى على روح مرحة وغاوية... كتبت، سناء في حائطي، أو في حائطها... "ماذا لو باحت زوجة بلادن المعتقلة في باكستان بتفاصيل علاقتها بزوجها، ماذا كانت ستقول لنا" وضعت "جيم" على ما كتبت و كتبت تعليقا : افترضي أنك تلك الزوجة، ماذا كنت ستقولين لنا ؟ وضعت "جيم" على ما كتبت... وضعت هي الأخرى "جيم" على تعليقي... مرت سامية ورشيد، ووضعوا جيماتهم على ما كتبتُ أنا وما كتبته سناء... لم تُعلق يومها... في الغد وزعت علينا نصا بالفرنسية... كان عنوانه "ايسبيس دوكوناس" جزء أول من حكايات زوجة بلادن... دفق من الخيال، ومن شكولاطة المعاني... كان نصا مفتوحا على ما سيليه... توالت النصوص، بركان من الأدب الرفيع تفجر... أقف في زاويتي منبهرا، سناء، حرائق الغابات لم تكن تنتظر سوى عود الثقاب... كنت عود الثقاب، ما يهم إن احترقتُ... فقط لتضرم النار في هذا الولع الأرجواني بدفق الكلمة... كانت سناء طفلتي في الكتابة، صارت سناء معلمتي في الكتابة... ظل القطيع يسير وفق بوصلة الروح، مفعما بالحب، باقتسام المرح، بالسؤال... "طلقنا خلاص، بغينا نمشيو نخدموا" تكتب نعيمة على حائطي، لأنني لم أوزع التحية الصباحية... لماذا تشرذم القطيع... ؟ لأننا فتحنا باب الفايسبوك، ونزلنا أدراج حديقته، لحياة واقعية لا تشبههنا... للافتراضي صفاؤه، وللواقعي لوثته... خبا الوهج الذي يضئ ترقبنا بالمعنى، افتراض صفاء سريرة الآخر فينا، تلك الصور الملائكية التي نرسمها عمن يسعدوننا... هل تعلمين لم أرفض لقاءك... ؟ شكرا على طلبك صداقتي... مرحبا بك في القطيع... لا أنا لست في القطيع، أنا شاردة... الشاردة من نصيب الذئب... توجست أن تكوني ضاحكة لحظتها، كما اعترفت مؤخرا... من جواب الذئب، قدرت أنك شاعر... لست شاعرا سيدتي، انا الذئب، كان القطيع يحميني، لكن شرودك أسال لعاب الذئب المختبئ في عروقي... صباح الخير أيتها الشاردة... كانت تحيتي تزيدك شرودا، وكان امتناعك عن اللحاق بالقطيع طفحا من الأنوثة... ما كنت تختارين العادي في انزوائك... أصدقائي كلهم ببهائك، والفرح الطافح في صفحتي من نسيجهم جميعهم... نسجنا سجادا للصلاة من مكوكية دردشتنا... لغة أخرى... تغيب مفردات قاموس القطيع، لتنبت جملنا من معجم طرزناه بالحذر الحفيف، وبلغة التوهج... كان الرمان، وشجر السرو، والغطس... كيف حال كاتبنا ؟ هل غطس في البحر ؟ لم يكن شيئ أمامي لحظتها غير طيفك، كأنه. بحر من الحروف، أوزعها على شاطئ جوعي لك، واكتبني بك: رثاءً لروحي. ماتت أحلامي حين فقد الاسمنت فعاليتة ولم يعد للصق جدوى، لماذا ينتابني الخجل حين أفكر في عينيك... هل تعتقدين أنني أرعن مثل كلماتي ؟ - معذرة لدي سؤال ؟ - تفضلي سيدتي... أمامي ركام كثير، أبواب منتزعة ونوافذ مهشمة، وأتربة ودخان... ما هي الثوابت التي لم تحطم ؟ الثابت الذي ينهار أمام وجع الكلمة لا يستحق أن يبقى منتصبا كفزاعة خاوية... أمتطي صهوة النص بالمراجعة... قصيدة الشاعر لم تعجبك... قرأتها، في بنائها وهج، وزاد اقتناعي أنها ماسة في جيد هذا التشقق الروحي الذي ورطني فيه حبك... هدية عاشق، حارسنا اللغوي، لغانية، هي هذا النص الذي أقسم أنه سيركضه... أسأل، ما الذي لم يعجبك في المورتديلا. ؟ قلت: هي المورتديلا، لا نكتب قصيدة عن الحب بالمورتديلا... معذرة، للشعر جنونه، أعرف شاعرا اكتشف طيف حبيبته في عيون ضفدع، فأنشد قصائد... هل تأملت المورتديلا، كما تأملها الشاعر ؟ هل انتبهت لاستدارة جسدها، ولا يلهب خيال الشاعر سوى استدارة جسد امرأة... هل غصت في عمق خليطها المجهول ؟ المنفتح على كل التوابل المفاجئة... هل ذقت المورتديلا، حين يستبد بك سغب الفقر، لا جوع الصيام ؟ أنا لا أدافع عن شاعر تشرس قصائده كلبؤات في الدفاع عنه... لكنني مقتنع أن الجمال قد يأخذ شكل القمامة... و الحب شكل سفرجلة... لا أحب، ولا أدري لمَ كان والدي يعاقبني بالضرب لأنني امتنع عن أكل السفرجل ؟
الفصل رقم 19:
أنت كطفل تحب كسر اللعب، لا تمدد فترة استمتاعك بها لأطول المدد... كان الفايسبوك وحده اللعبة التي لم أكسرها... هل تراني بهذا البوح الجنوني أقضم ظهرها ؟ كنت كلما حزنت بدون سبب، أفكر في زيارة طبيب نفساني، ارتخي على أريكته، وأروي له قصصا كاذبة... أقول له أنه تم اغتصابي حين كنت طفلا، وكنت شاهدا على جارنا وهو يضاجع ابنته، وأحب أبي أمه، أي جدتي، ومنعها من مضاجعة جدي، وخانني عضوي التناسلي ولم ينتصب ليلة الدخلة، أحلم أنني أضاجع سيارتي، والفقيه يرضع نهد امرأة تشتغل "طيابة" في الحمام، وأرى فيما يرى النائم أن مذيعا في التلفاز يمد يده لجهاز التحكم عن بعد، الموضوع على طاولة الأكل، ويغير قناته، كي لا يطيل في وجهي النظر... كنت أخشى على الطبيب من الجنون، وكنت أخشى أن تكون له أدوات تفضح هذا العبث الذي يرافقني منذ ولدت... هل يوجد طب نفسي فيسبوكي ؟ بمعنى، هل يستطيع معالج نفسي، أو باحث في مجال علم النفس، أن يقرأ تضاريس السلوك، عبر النشاط الفايسبوكي ؟ يفتح عيادته في زرقة الافتراضي... أطلب صداقته، أؤدي رسم المعاينة، فالمسألة هنا اشتغال لا صداقة... يكتب رقم ملفي الطبي في عيادته على صفحتي، ويضع جيم على ما كتب... أضع بدوري جيم، إيذانا ببداية الفحص... يراجع الطبيب صفحتي برمتها، منذ جيمه المؤدى عنها إلى تاريخ الولادة في زرقة الافتراضي... يحلل ما كتبته... تعليقاتي على ما كتبه الأصدقاء... مقالاتي... الدردشات... الوظائف التي ترتب الأصدقاء حسب الولوج لحسابي... التي ترتبهم حسب ولوجي لحسابهم... الأغاني التي اقتسمها، والتي أتلقاها في صفحتي... الصور... المجموعات التي أنشأتها والتي ولجتها والتي غادرتها... ثم يختار عينة من لائحتي، ويستدعيهم في غرفة دردشة... أنت، الشاعر، عدنان، سناء، ياسين، رشيد، حميد، نعيمة وسامية... ستصابون بالدوار، وستقررون أنني أعاني من فقر في كريات زرقاء بدمي... يكتب الطبيب توصية بإيداعي مصحة... تضع عائشة " جيمها " على ما كتب الطبيب... و يغلق ملفي الطبي... أعود أدراج النص، أصبح النص يبتعد عني... لست أنا التي تسببت في غضبك... و تلك التي تثير قشعريرتك لا تشبهني... دعني أجيبك بالصبيب الثاني لأذني... السارد لعبة في يدي... تعمدت أن أجعله يسيء إليك، أن يستفزك كي تعيدي قراءة اختيارك: هل أدهشتك أنا أم السارد ؟ اعتقد أنني نجحت في إيقاظ غيرتك الأنثوية، وهو ما كنت أحتاجه... كان الكثير من المرح في صوتك يشعل براكيني، يجعلني أحفرُ أخاديد في جبل الألم الذي يعتصرني، كي تمر منه حمم اشتهائي... خرجت من مساحة الألم بشكل مؤقت، ما عدت أبكي وأنا أحرث بياض الورقة... لعلي أودعتها بعضا من ألمي، تتوجع به... لعل النص يئن من شدَّة الألم... الصباح يغري بالقبل... ماذا لو كان الوجع بدون ذاكرة، وكان الحبور رياضة وطنية... هل تعرف أن السيد الوزير يطالع صفحتك يوميا... و تغرورق عيناه بالدموع، ضحكا... و أخبرني أن العديد من زملائه في الحكومة يفعلون ذلك... و يتجاذبون أطراف الحديث حول مساميرك التي تدقها في حائطك، وتعلق عليها البهجة... لم يصدروا بيانا حكوميا حول ذلك، ولا علقوا على صفحتي نياشين، تتباهى بها في شارع الزرقة المخملي... و ماذا عن الملك ؟ ألا يزور صفحتي ؟ أسيخ السمع في دروب الفايسبوك، فيفاجئني صهيل، ما عاد يليق بهذا النسيم الذي ينعش مسام الجلد في استثنائنا الجميل... الله يبارك في عمر سيدي... أعرف أن الملك كان يتجول بسيارته في شوارع صفحتي، يتوقف كعادته عند إشارات الضوء الأحمر، يحيّي طفلا تعرف عليه... يصرخ الطفل: بابا هذا هو الرجل الذي نشاهده في التلفاز... لم يصرخ الرجل: طفل من هذا ؟ ابتسم الملك، وانطلق بسيارته المكشوفة... كان يجلس بجانبه صديقه... و على قارعة الطريق وقف عباس الفاسي، عبدالاله بنكيران، عبدالله الحريف، عبد الحميد أمين، محمد زيان، ادريس اليازمي، الياس العماري، محمد اليازغي، وآخرون... الشيخ أحمد ياسين، الرجل المقعد، كان جالسا على كرسي متحرك، عبد الرحمان اليوسفي يحزم حبل حذائه... يكتشف أن ماسح الأحذية، ترك "فردة" بدون تلميع... لم ينزعج، ابتسم بخبث... ابتسموا للملك جميعهم... لم يبتسموا لصديق الملك جميعهم... وقفوا عند تحيتي الصباحية... ضحكوا، لأن الملك ابتسم... لم يضعوا "جيماتهم"، البروتكول الرسمي يمنع ذلك... ما الذي يمنع رجل السياسة في بلدي من أن ينفجر ضاحكا في وجه المواطنين ؟ أن يسمحوا للكاميرات العمومية، بنقل ضحكهم الهستيري... سيقولون إنهم يضحكون على دقون الشعب... لا بأس من ذلك، هم يضحكون على الشعب، فقط ليشركونا في الضحك على أنفسنا... لعلنا نضفي القليل من البياض على العتمة التي تسيج صورتهم في ذاكرتنا... الضحك يفسد البيع... ما هَمَّ نجاح البيع بهذا العبوس الذي يؤثث علاقاتنا، يجعلنا أكثر أهمية في عيون الناس، ويجعل جماعاتنا تشبه المآتم...
