الفصل الرابع:
تتثاقل بداية النهار، افتح علبة بريدي في صفحتي الزرقاء، ليداهمني طيفك عبر وصلة جاز شجية...
لا أنصت إلى الجاز، وقليلا ما كنت استمع للموسيقى الغربية، أحببت في لحظات قليلة "جاك بريل" يتوسل في كبرياء وأنفة : لا تتركيني، واستمعت للفوضاوي ليو فيري وهو ينهر الرجال ويأمرهم بأن لا يتزوجوا...
أهدتني امرأة قرصين لجموعة البودا بار، بعدما رقصنا طول الليل على نغماتها...
و افترقنا...
كانت امرأة البودا بار فريدة في كل شيء، فريدة في جنونها، فريدة في جمالها، وكانت الأدهى فريدة في قراراتها، كانت تعلن عطرها دون مواربة حين ينفلت عطرك الرجولي باحثا عن خياشم للاغتصاب، تشعر بانتصابك، فتشتعل كحريق الغابة في شهر أغسطس الحار، لا يطفئ هذا الحريق سوى بحر من ماء وكثير من عرق الرجال...
- هل تقطن وحدك ؟
- نعم
- في ذات العنوان الذي ذكرت ؟
- نعم
- انتظرني إذن، أنا قادمة
أقفلت الهاتف وأصبت بدوار، شلال الجمال وجبل الفكر وكل هذا الوهج التلفزيوني وصفة "الشخصية العمومية"، والزوج الأمني، والأبناء الذين يدرسون في ديكارت، والخالات والأعمام والعمات، والندوات والمؤتمرات العلمية والمعارك النضالية والأوسمة الملكية، كل هذا الزلزال يضرب وجداني بعد لحظة، هي قادمة حسب ما توهمت أذني بعد لحظة...
رتبت البيت بسرعة، لم أرتبه، أعدت توزيع الفوضى فوق بعض الكنبات وفوق السرير، أسرعت باتجاه الحمام، حلقت ذقني واندلقت تحت رشاش الماء، عادة لا أحب رشاش الماء، أفضل الحمام العمومي، حيث هناك فرصة لإطلاق كل كوابح المفاصل والاسترخاء، ثم هناك عملية الفرك التي يمارسها الكسال ضد القشور الجلدية الميتة التي تراكمت فوق جسدك خلال الأسبوع، دون الحديث عما يوفره ذات الفضاء من إمكانية التفكير خارج إكراهات الواقع، الحمام العمومي فضاء خيالي مقتطع من الواقع المعيش، ألجأ لرشاش الماء في الحالات الاستثنائية...
أنا جاهز كعريس، لم تحدد المرأة صاحبة أقراص البودا بار وقت مجيئها، للنساء فهمهن لمعنى "بعد لحظة"، يختلف عما يعنيه الرجال، عقارب الساعة تدور كيفما شيئ لها أن تدور، وهذه "البعد لحظة" تأخذ شكل الساعة ونصف...
دق جرس الباب، هاهي ذي قد وصلت، كانت كل التفاصيل الأخرى غير ذات أهمية، أخرجت من حقيبتها أقراص البودا البار وأشعلت جهاز القراءة، أسدلت ستائر الغرفة، وكربان طائرة محترف، أقفلت هاتفها الخلوي وطلبت مني إقفال هاتفي، ثم أقلعت بي باتجاه الفوضى...
كان الحريق يلتهم كل دروب مدينتها، وكنت فريقا من الإطفائيين يحارب على كل الواجهات...
لم أجدها في الصباح بالقرب مني، كانت وحدها موسيقى البودا البار، القرص لم يتوقف عن الدوران طول الليل، ولا أثر للحريق الذي كان يشتعل بجانبي...
في صندوق بريدي الآن، وصلة الجاز، وجملة تشبه عود الثقاب: صباحك عطر أيها المجنون...
لا أنصت للجاز، لكن الجملة المصاحبة للوصلة تصدح بالموسيقى والرقص، هي بداية الربيع الذي يحل على الجسد غصنا غصنا، نزعت باحتشام عقدها من جيدها الغض، كي تتجول فيه شفتاي دون متاريس معدنية، وصلة الجاز والجملة التي تشبه عود الثقاب، ومقالي الذي يوشح صفحتك الزرقاء، كانت بالنسبة لي تشريعا للذراع من أجل وصلة عناق...
تخميناتك خطأ...
أنا لا أخمن سيدتي، أنا أصبحت بوهجك الذي يداهمني، أنصت على الجاز...
- كم من صديق في لائحتك، أرسلت له وصلة الجاز، وعود الثقاب ؟
- لا أحد
كنت أنا ذلك الأحد، في هذا الصباح...
و في هذا الصباح، فكرت في كتابتك، في الكتابة بك، في الكتابة عنك، أو في الكتابة عني بك: قررت أن أحبك...
يومها سألتني إن كنت أكتب أدبا، فنفيت، كذبا...
يومها طلبت مني أن أحاول ذلك، فلغتي فيها مساحة كبيرة من الأدب، كذبت مرة أخرى، فلم تكوني أنت أول قصائدي...
قد تكونين أول رواياتي، قد تكونين مقبرة للغتي...
سنكتب هذا الوجع بشكل مشترك، أنا القلم وأنت المدواة، ضحكت من الصورة التي يستعملها الفقهاء عادة، وهم يتحدثون عن الجنس، الرجل قلم، والمرأة مدواة...
ستكونين رافعة لهذا الألم، وسنكتب صباحاتنا وخوفنا وأحلامنا سويا، أنا العاشق وأنت التي تحبينني وتكابرين...
لا يهم أن تحبيني، الأهم أنني أحبك...
أنت الكاتب، لن أضع حدا لجنونك...
كان علينا أن نكف عن الكلام، ونبحث سويا عما يضيء طريق هذا الوله المحفوف بالازدراء...
تشتبك أيدينا، لأن لوهج الحب أشعة تنفذ من كلس الوقت، ويرفض لهيبها أن يقبع في زاوية التاريخ يحرس ذكريات الوجع والارتعاش...
الفصل الخامس:
لأشعته سن اليفاعة، لا يشيخ الحب، يبحث عن لهيبه، ويتحول...
كيف أشرع باب غرفتي مرة أخرى، وأكنس زواياها كي أستقبل وهج مصابيحك...
أنا الذي نزع الشمس من سمائه...
للغرف المظلمة حق النور...
و للحب أجنحة ترفرف به عاليا في عوالم الرغبة،
أشعر بفحولة حين أقر ما أكتبه موزعا على حائطك، حين أستعيد وصلة الجاز، وحين أستبدل في حلمي البودا بار بذات الوصلة، وأعانقك بدل امرأة اللحظة...
أعود لصفحتك، حين يشتد بي الظمأ، عطشي لك، أرويه بعبيرك المنشور على زرقة الفايسبوك...
على رأس مقال لي حول الدستور تعليقك : موقف حكيم...
لست حكيما سيدتي، أنا مجنون حد الجنون بهمسك على رأس شغبي...
كنت أريد أن أنقل على صفحتك ما خطته صحفية مشاغبة: من أجل دسترة الحب...
لماذا ترفضين الدستور ؟ كي يزيد هذا الإكبار بك حجما، شعور بالاعتزاز بالتميز كان سببا في غرقي في يمك الهادر، وأنا أتذكر كيف انحازت كل الصديقات للسم المدسوس في فصول الدستور...
أقر المساواة تحت عمامة الفقيه...
سحب مصباح الحريات الفردية، ليستبدله بفانوس الله، كان الله حاضرا في الدستور كحارس للفروج وللعقول...
هللت كل النساء اللواتي أعرفهن حاملات لمشعل الصراخ، هللن لصالح الدستور...
كنت وحدك، صرخة الحريم التي أعادت للمرأة حكمتها...
كتبتِ على رأس مقالي : موقف حكيم...
و كتبتُ أن الدستور ملهاة لإقبار ربيعنا العربي، وحرماننا من منعطف وردي في تاريخنا الموبوء...
تم التصويت بنعم على المشروع، وجلست نساء البلد القرفصاء في زاوية الفصل التاسع عشر، ينتظرن أن يمنَّ الرجال عليهن بمساواة كاذبة...
لا مناصفة في الإرث، تلك مشيئة الله والفقيه...
لا ولاية للمرأة، حيضها يمنعها من مصافحة الأمير...
كان كل البلد يحارب الفصل التاسع عشر، كي يفصل السلط عن بعضها وعن العبث، فتم تقديمه قربانا للنساء، قالت إحداهن: إن القداسة انتقلت من الملك إلى المرأة...
قلت يومها، طهروا الملك من دنس القداسة، لتتسخ بها نساء بلدي...
كنت وحدك الطاهرة على صفحتك الزرقاء...
لكنك لم تكوني قديسة...
أنت امرأة من رعشة وخطيئة، تغضبين حين يغضب المحرومون، وتصرخين عند ربيع العنفوان، وحين يضطر الجياع كي يشهروا بطونهم ضد موائد الكفيار...
كنت الجائع الوحيد لكِ، جائع بك...
لا أريد صرختك، أتوق لشهقتك...
حلم شجرة السرو، وبركة الماء يلاحقني، ويُلْحِقني بحضنك...
رغبة في البكاء على صدرك، لعلي أخرج هذه الكآبة من شرايين عيوني الضيقة...
أنتَ مجنون...
كنت دائما مجنونا ومحترف مغامرات...
يجب أن نبحث عن نوافذ لجنوننا الأدبي هذا...
أريد أن ألعن كل الذين كتبوا قبلي عن المدن، كل الذين عجزوا عن وصف عشيقاتهم، واستبدلوا سيقانهن ونهودهن بالجسور المعلقة.
الدروب المتسخة في مدن لا تستحق أن نكتب عنها...
لا أملك مدينة لقلمي، ولا أريد أن أحب مدينة أخرى بدلا عنك...
في مكانك لن افعل، أجبتِ، يجب أن تكتب ما لم يكتبه الآخرون، لا تبن روايتك على رد فعل تجاه الذين كتبوا قبلك...
لا أسمع كلماتك، أصيخ السمع لصوتك، لن أكتب عن المدن، سأخط دمي على بياض الورق فيما لم يفعله آخرون:
أنتِ.
الفصل السادس
رعشة صوتك تحزنني، وأتردد في سرد قصصي...
أنت مناضل يساري...
ترسمين في صورة لك عني...
لمَ تضعين كل الألوان، أحسك تصرخين: أنت مجنون بي وأنا مجنونة بجنونك...
لست مناضلا يساريا، أنا ابن مرحلة هجينة، انحسر فيها اليسار، وأطلق الفكر لحيته، وارتدت كل عشيقاتي البرقع، كفرت بجوع البسطاء، وهرولت وراء نعيم لا يقتسمه كل أبناء وطني، قضيت سنوات في السجن لأني اختلست ما اؤتمنت عليه...
ليس السجن كما يحكيه مناضلون يبيعون ذكرياتهم وبطولاتهم في معارض الكتب... ليس السجن عشق امرأة، ولا وطنا مهزوما، لا تسع الروايات عوالم السجن، قد يسعها هو، قد تعتقل الروايات، والدواوين الشعرية، وكتب الأفكار والكراسات والأقلام في السجن، لكنك لن تستطيع أن تضع السجن في واحد مما سلف...
السجن انكسار العين، لوثة في هويتك تصاحبك أينما رحلت وحللت...
توصلت في بريدي مؤخرا، برسالة من صديق اختلفت معه في فكرة ما...
- "سير يا الشفار"
و في مقال سابق حول دور اليسار في مسيرة حزب جديد، حيث وصفتهم بكريسونات الحافلة، هددت إحدى المسؤولات، بالرد على ما ورد في المقال، بما لديهم من ملفات حول شخصي...
كانت قوة الحزب الوليد، فيما يتوفر عليه من ملفات حول المواطنين المغاربة جميعهم، وكان الملف المتعلق بشخصي من أسهل الملفات...
قبل الحزب الوليد، كنت عضوا في جمعية، كانت شكلا من أشكال النصب على المواطنين، من أجل ولادته...
كنت ضد هذه الولادة، في جزء كبير من اعتراضي الذاتي، كان بسبب السجن...
لم أكن أرغب في أن يطالبوني بإحضار نسخة من البطاقة البيوميترية...
أو نسخة من سجلي العدلي...
كان اعتراضي موضوعيا في جانب منه، وأكد التاريخ صدقية اعتراضي...
اختلفت مع أخت لي حول موضوع تافه، أرسلت لي رسالة في هاتفي النقال: (ما دخلنا لحبس ما كلينا رزق عبادالله... )
لست مناضلا يساريا، أنا سجين بتهمة تنتمي لما يسمى "الحق العام"...
وكفى...
أكتب بصراخ، وبخوف من الذين أحبهم...
مقرف حد الغثيان والبكاء، حين يواجهك شخص ما، بصفيحة سوابقك وأنت تشرع في وجهه فكرة...
أكتب إليك، كي أحرر نفسي، وأعلن فضيحتي...
كي لا يفضحني الذين أحبهم...
كنت أحلم بأن أكتب بيانا للرأي العام، أعلن فيه سوابقي وصفائحي العدلية...
و أصرخ: من كان منكم بلا خطيئة فليرجمني...
و أعد على أصابعكم، نقط الدم التي توسخ أكفكم، وأبني لكم سجونا من جرائمكم...
من لمس منكم نهد خادمته، من ربت على مؤخرتها وهي منحنية تمسح الأرض، فقد أجرم...
من حمل من مكتبه حزمة أوراق بيضاء، ليخربش عليها أطفاله فروضهم الدراسية، فقد أجرم...
من هاتف عشيقته، أو أبناءه من هاتف مملوكٍ للدولة، فقد أجرم...
من استعمل فواتير لا تخصه، وشهادات طبية يقتنيها، وطلب وقودا لسيارته من المال العام، فقد أجرم...
من لم يؤد ضرائبه، أو تهرب منها وزور وعاءها، فقد أجرم.
هو ذا السجن، وأنا أخرج منه لأول مرة، بابه المشرعة على الحرية اسمه: أنتِ.
الفصل السابع:
لماذا أكتب عنك ؟ لماذا تكتبينني ؟
في أي وجهة للغروب تقودنا عربة الكتابة هذه ؟ ما الذي أحكيه في وجع البياض الذي يستنفر خلايا الدم في جسدي، حتى أصلب نفسي على واجهة الفضيحة، البوح فضيحة والعشق هدم لأهرامات الكذب والعذاب...
صوتك... صوتك... صوتك
تسألينني عن مسحة الحزن التي استشعرها في صوتك، هل أفرش لك كل مسام الجلد، وكل شموع أضرحة الفؤاد، كي تجسي نبضك في خلايا دمي ؟ وينتفض في وجهي وجعك، وهذا الهديل الذي يغني ألمي كلما حزنتِ ؟
أَحْزَنُ لارتباكك، لهذا القلق الذي فاجأك، وأربكَ صيرورة ولادة هذا الضياء الذي نخطه بكثير من الفرح ومن التوجس ومن الحيطة ومن الحب...
هل أدهشك نحر اللون على مذبح الألم والضحك ؟ لم يدهشني بقدر الفرح المرتعش الذي أشعره في صوتك، يتأرجح بين حزنه وبين فرحه، وتلك الغنة التي تشعل المصابيح في دمي، لا تحتاج امرأة عاشقة لكثير من الأقراط كي يعم الماء جروح ذاكرة رجل توسل كبرياءها، كي يزداد كبرياء...
- أعتقد أنه لا ملهمة لك سواي ؟
- لست ملهمتي، في عبق الجروح قصائد مركونة، وفي دروب التسكع روايات...
تنهمر كلماتك عروشا لشجر الفكر، قدر الكاتب العربي أن يعرج على الوطن كلما هم بالكتابة...
لستِ الوطن... لستِ المدينة... لكنني مجبرعلى أن أُشرع حليب الولادة كي أفهم جروحي، وأعربد، بالهوية المجروحة على موائد سكر تعدينها لي... كتابة... وبوحا وهياما...
يسكننا الوطن... للأسف الشديد
نسكن الوطن... بالقهر المستبد...
نحب الوطن بشكل بليد...
لم يكن سوى الوطن من قادك لصفحتي الزرقاء، ما كانت الغواية، كانت أغاني الشيخ إمام عيسى، ومواويل الجياع...
كان شغبي على نحر صفحتك، أتلصص على شموخ نهديك في الحروف التي تطرز كلماتك، في خطيئة ثمر الشجر البرئ، وأسحبك نحو هاوية عشقي، كي أكتبك، ثم أكتبك، ثم أهرب بك نحو فوضى الشهيق، هل تشتهيني كما أشتهيك ؟ هل ستقطفين هذا الشهاب الذي يأبى فراق نجمته ؟
و تسألين إن كنت ملهمتي ؟
أنت لست ملهمتي، دمٌ هو حبر الكتابة الذي هو أنت، ما كنت أعدمه حبرا أسْتَلُه من رعشاتك، لا ملهمة أغتال خيالها في نصوص، أوزعها على أوراق لا تشبهك، أنت كاتبة نصوصي وشعري وكل حروفي...
إلى أين تسير عربة البوح والتشظي، تعبت من كتابتي، تعبت من كتابتك، ومن رسم حروف الشهوة التي تستبد بي كلما غمرني صوتك الرخيم، أبحث عن صلاة تقربني من أهدابك، وأفطن للحبال المعلقة على مشانق الطريق، لعل الله يغمض عينيه، كي يجتاز النبي موسى نهر قريتك، ويعانق مهد ولادتك...
للصلاة ولله في ذاكرتي ترانيم بلورية...
حكاياتي التي لا تنتهي، وعشقي الأبدي لهذا العقل المتصلب بمنطقه...
في غفلة من طفولتي، سرقني ابن الجيران لدهاليز تفضي لجنة، يبدو أن الفقراء مثلنا، لا يستطيعون ولوجها وهم أحياء، أهداني عباءة بلون السماء، وصاحبني للمسجد كي أستجدي الله حسنات تثقل ميزاني يوم الحشر، لا أعرف لِمَ يصر الله على عبادته وهو الغني عنا، نحن عباده ؟
لا أدري، لماذا يتجنذ رجال ونساء، كي يدافعوا عن خالق يفترض فيه أنه قادر على كل شيء، كان منهم ابن جيراننا الذي أهداني عباءة زرقاء، وأمسك يدي بخشوع لحين المسجد، بيت الله الحرام...
صليت بخشوع، وقرأت الكثير من الآيات البينات، وتضرعت لله أن يكف أبي عن عربدا ته، وأن يمنحنا "رزقا"، ينتشلنا من بؤس الحاجة والسؤال...
ما كان الله متفرغا لتوسلات طفل، يعرف أنه سيمرق بعد شهور قليلة، كانت بوادر شقاوة العقل تحاصر إيماني القسري...
قررت أن أعلن تمردي على وهم الجنة، حين أتاني ابن الجيران، بوعاء ماء وكتاب صحيح البخاري، يذكرني بأن نبي الله، كان يتوضؤ بنصف الوعاء، ويروي حقولا بالنصف الآخر...
ما كان لعقلي، رغم صغر سني أن يستوعب اللامنطق، ما كانت الأوعية في عصر النبي بالحجم ذاته، ولا تفاصيل الوضوء بالشكل ذاته...
بجنوني البدائي، نزعت العباءة، وأرجعتها لابن الجيران...
لا أعتقد أن الذي خلق الكون بهذا الجمال، وأثثه بوهج حضورك، وأرداني صريع هذا الوجع الجميل الذي يحدق بكفي، حين تكتب تفاصيل شهقتك، سيمنحنا فتاوي بهذا الغباء...
كانت آخر صلاتي...
كان أول إيماني بالله، وهو يتجلى في هذا العقل الذي يبهرنا...
كنت مبهورا، وأنا أقف على هذا التوحد بينك وبين ما يرمز للعقل...
الفصل الثامن:
جميل تدحرجك، وأنت تعانقين وهجي، وتسيرين بي إلى هاوية حفرنا أخاديدها سويا، جميل تدحرجك الواقعي، جميل تدحرجك الافتراضي...
أستفزكِ...
جميل استفزازك، أيها المجنون...
تشهرين كل حجج سكني في زوايا دمك، تدهشينني وأنت تشهرين تسجيل دردشتنا، كل اللغو الذي ينفجر فخاخا للغواية...
"اكتشفت فقط أن صوتك فرح أنثوي، وأن وهما تسلل لاعتقادي أنك حزينة، فقلت أن صوتك قوس قزح، بدد ما خمنته ألما، سعيد بك فرحة ومنشرحة... "
تدهشني حروفي المكتوبة على نحر صفحتك، تدهشني الكلمات وهي تفر من عقال التريث، وتلبس عباءة الجنون الذي يحلو لي أن أناوشك من شرفته...
يدهشك جنوني، وأشعر انك تحبينني، هل تحبينني ؟
أم انك غاوية تسجيل دردشات عابري سبيل، وعابري زرقة صفحتك التي أخالها عذراء، إلا من اغتصابي...
متى ستبوحين ؟
متى ستتدحرجين ؟
أقتنص تنهيدة بهمس حفيف غير مسموع، بحجم البحر والإعلان، تتوجع عبر خيوط الهاتف، كنشرة أخبار زائفة، إعلان حرب بسلاح راق لكنه فتاك...
أسجل كل دردشاتنا، هي مائة صفحة ويزيد...
غير ممكن، حاولت الرجوع لدردشتنا فلم أجدها مسجلة، أهملت تسجيلها...
كم ستدفع كي أرسلها إليك ؟
أدفع شبكة شراييني، كل الدم الذي ينبض باسمك، خفقا للقلب، وكريات مفعمة بأوكسجين استرقه خلسة من رخامة صوت يرخي بالخدر على كل مسام جسمي...
و تشرعين في قراءة حواراتنا...
أقاطعك، لأحدثك عن امرأة أخرى، فقط التقيتها، لم تعشقني ولم أهم بها...
تتعمدين ألا تسمعي قصتي، أتعمد مقاطعتك...
أعثر أنا، أشهر عثراتي في وجه شهادة تدحرجك، تصرين على البوح، وأمعن في الحديث البليد، مارد ينتفض من داخل النزر القليل من ذكائي، يصيح ملء الكلمات، اصمت ايها الشارد، فأنت في حضرة البهاء، اصمت، فما التجلي غير بوح امرأة بعشقها، بوحها السري ينير كل الدروب المظلمة في شرايينك، وأنت ترغي، وترغي، وترغي، وهي تصرخ بقراءة حواراتكما: أنها تحبك، كم أنا أعثر وبليد...
هل أستحق حبك لي ؟
هل تستحقين حبي لك ؟
للحب والموت نفس المشجب، الحياة رافعة الحب، والموت مشجب الحياة، في ذاكرتي زلازل القلب، بمخاض الحب أو الموت، كلما بهرتني الحياة، تحضرني امرأة أحبها، وطفلة هجرتني، موتا...
كنت أريد أن احكي لك عن أميمة، تذكري أنه الاسم الوحيد الذي لم أستطع اغتياله في جنوننا المكتوب هذا، وستفهمين لماذ أبكي كلما اقتسمت أغنية، لبهاء الصوت في هذا الدخان الأسود والملوث من الإزعاج المسمى قسرا طربا، بنفس اسم الطفلة، الطفلة التي سأحكي لك عنها...
لن أحكي لك عنها، فقط سأقول أنها كانت بربيعين فقط، وماتت غرقا في صهريج.
و أكف عن الحكي، كي لا أبكي في فرح المتن هذا...
فقط للموت شكل المعول، ومبيد حشرات...
الفصل التاسع:
كانت ملامح سجني تلقي بظلال سوداء على ولادة ذا الوهج، لا نخرج من سرداب الوهن باستجداء عفو الناس، تولد في الوطن، ويلصقون بك هوية ما، تغفو عن ترتيب قيم في رفوف تحملك من حبو الصبا، لانحناءة الشيخوخة، واستراحة القبر، فيعاقبونك، تسجن، فيعاقبونك لأنك سجنت، يعرفونك لصا مختلسا، يعرفون مشاريع استوليت عليها، وصفقات خربت مسار اشتغالها، لتكون أنت السيد فقط لأنك لم تسجن، ما معنى أن نمنع فاسدين من الترشح للانتخابات، ونستدعيهم في حفلات تقديم الولاء، فقط لأنهم لم يسجنوا، السجن علامة فارقة بين اللصوص المعتمدين المنبوذين، واللصوص غير المعتمدين المكرمين...
كنت لصا معتمدا، وكان سجني غمامة تزين زرقة وهجك...
لا تستعمل المتكلم، في حديثك عن السجن، ليس بالضرورة أن يعرف القارئ أنها تجربتك الشخصية...
لماذا تبحثين عن صفائي، وقد كنت أعلنت في حائطي أنني لست بالطهر الذي يعتقده الكثيرون ؟
سيجدونك في هذا البوح، أنتِ سليلة الفضيلة، وسيسألونك عن غباء التدحرج في هاوية موشومة بخطايا مشرعة على زنازين وأحكام وقيود وجريمة، يقفُ جنونك عند حدود الخطايا المشرعة على وشم القبيلة، يقف جنونك عند حدود هندسة العادي في معمار التدحرج الذي حلَمته يوما أكبر من شهقة تفزع سرب الحمام...
هل تحبينني ؟
لا أدري إن كنت تحبينني، وحتى وإن كان، فحبك عادي...
ما يهم حبك...
ما يهم شبه الجنون...
وحدها سراديب الماء، تجرف هذا الشوق.
سنتكلم بعد يومين...
لنتكلم بعد قرنين أفضل، هل تعلمين أن الثانية من وصلك توازي قرونا من وجع الانتظار، هل تعلمين أنني أكتب حروفا بدمي كي أبقى بقرب طيفك المحمول على صوتك، على كلمات تزرع الوهج من الألوان في حائطي المزركش بالكثير من الغواية...
هل كنت تريدين الحديث إلي، لأنك كنت ترغبين في ذلك، أم فقط لأن الشاعر بكى في حضرة هذا الوهج الذي كتبته بك ؟
سؤال غبي...
كل العشاق أغبياء سيدتي، ويؤلمني ذكاؤك...
هددني الشاعر بالقتل إن لم أرخ عنقي على هذا المذبح، كي يستمر جنوني بك في نحر ما بقي من أوردة تنقل دمي المخضب بجنونك...
أكتشف أن حبك جنيس، دواء بفاعلية أقل، وبثمن رخيص...
ما عاد يهمني حبك، ما عاد يهمني سوى حبي لك...
الفصل العاشر:
للأصوات ألوان قزحية تبدد عتمة الظلال،
صباح النور
ألوان وظلال، هل تهيئ لرسم لوحة تشكيلية ؟
هل جربت التعويذة ضد العياء سبع مرات ؟
جربت غوايتك بسيلان جارف من دم بوحي، ما نفع هذا الصهيل في فتح أشرعة الشهوة المدفونة سرا في كثير من الكلمات، في روابط الأغنيات التي توزعينها في حائطك وفي شرفة دردشتنا التي خبا وهجها بسبب حذرك الذي يزداد كلما أوغلت في تعرية روحك.
تجتاحني نفس الرغبة في الحديث إليك، عادة ما أستبدلها بتحية صباحية مكتوبة في جداري، أو مودعة في صندوقك البريدي، كنت أغتال كل لحظات التردد التي تمسك بتلابيب الوله، وأرسل رسالة قصيرة...
هل يمكنني الحديث إليك ؟
دقيقتان فقط، وأقول لك إلى اللقاء...
كنت أمتعض من هذا الجواب، ليس لأن الدقيقتين قصيرتان...
لأنك قست هذا الألم كله الذي يعتصرني بدقيقتين فقط، أو لأنك قست هذا الألم الذي يعتصرني بلحظة لا تهم مساحتها...
كم كانت ثواني معدودة ثقيلة على القلب...
كم كانت أزمنة من فرح، وقرونا من الحكي، مساحات زمن برمش العين، بين عاشقين...
بي رغبة في الحديث إليك، لكنني سأكبح هذا الجامح في دواخلي، فقط لأنك أصدرت فرمانا بعدم التواصل سوى بعد يومين...
لم تردي على رسائلي القصيرة...
لن أودع تحية الصباح في صندوقك البريدي، ما عاد كبريائي المجروح بهذا التعالي يقوى على الركض ضد شرايين دمه...
بدوري أحتاج للهمس في أذني، لمن يقرب النار لفتيل مرتخٍ كعلم منكس، ولمن يصلبني مرآة لجنونه...
أفكر في أن أخونك...
أعرف أنك لا تحبذين كلمة خيانة، كما لا أحبها بدوري...
لا خيانة في الحب...
الحب مساحة تحول، بقع الوهج التي تنضج رويدا رويدا، لتعانق شكل الألفة والصداقة ونوعا لذيذا من التآمر، الحب مفصول عن شهيق الجسد، لذا في تحوله يملأ مساحات، لكنه يفرغ أخرى، أو يترك فيها ذيل الوهج لعشق جديد...
أنت ماكر...
عادة لا أحب جملا عربية مكتوبة على الهواتف بحروف لاتينية، لكن رسالتك هذه أضحكتني، ثم أفزعتني، ثم أبكتني...
لست ماكرا، في هذا البوح الذي رمَيْتِني في أتونه، وتخليت عني، كيوسف في الجب، لا أستطيع جمع كل هذا الدم الذي نَزَّ من جروحي، وأ لتمس في صوتك ضمادات ومعقمات كي لا تتعفن كلماتي، وينخر الدود ما بقي من وهج للكتابة...
تذكري أنني صرخت في وجهك وأنت تسحبينني لهذا "الغيتو"، أنك ستكونين مقبرة للغتي...
من الماكر منا ؟
سأخونك...
كمغتصبة ولدت سفاحا، أبحث في لائحتي عمن تتبنى هذا اللقيط، عن امرأة أخرى تجيد صراخ الزغاريد، وترفع أعلامي المنكسة...
أرسل لامرأة تعلق في حائطها مقاطع من روايات عديدة...
و تقتسم على نفس الحائط أشعارا، وأغاني...
آخر ما عممته، فيديو لمحمود درويش، في قصيدته الرائعة: انتظرها...
أرسل لها مقطعا من بوحنا، نون الجماعة هنا ضروري لفهم ما سيلي...
قلت إنني بصدد كتابة جرحي، بتآمر مع امرأة، كان من المفروض فيها أنها تعشقني، فاكتشفت أنها وقعت صريعة حب السارد الذي يحكيني...
غادرت عشقي، كي ينعم غريمي بوهجها، فلا مجال للصراع في الحب، ما دامت المرأة حلبة وحكما...
و قد اختارت معشوقتي غريمي...
سألتني تفاصيل عديدة، سألتني تفاصيل بليدة...
آه كم أكرهك أيتها "الحاجة" صاحبة السيارة البيضاء، يا أول امرأة فتنتني...
هاهي ذي بديلتها تأتي إلي متدحرجة في غيرعنفوان، لحظات وأجد نفسي عاريا في سريرها، سيدتي لا أريد تصويب خرطوم ماء في فرن لا يطهو بيضتين، أريد من يربت على كتف وجعي، ومن يضاجع جنوني، أريد تدحرجا بعنفوان، وأريد غواية الكلمات...
نلتقي إن شئت بمقهى ونقرأ النص سويا...
و إن عم الضجيج، لي شقة بالقرب من ذات المقهى، نكتب سويا جنوننا هذا...
أنا بدوري، لي كلمات عديدة، واعجز أن أخطها.
كنت ضئيلا، وأنا بحضرة وهجك، يرمقني بازدراء، هو ليس جنوننا، أنا وأنت... هو جنوني بامرأة لم تكن لها كلمات، كنتُ كل حروفها، أكتبها وأكتب نفسي بها...
أعود إلى حضن هذا النص صاغرا وذليلا، أقف على عتبة الفايسبوك، فاتحا صفحتك، انتظر...
انتظر...
انتظر...
انتظر...
