حين تأتي رسالة دبابة!
حين تفقدت هاتفي هذا الصباح، وجدت رسالة قصيرة على تطبيق الواتساب، قادمة من رقم هاتف لدولة إستونيا: "لقد أديت ثمن الدبابة، وهي في طريقها إليك."
قفزت مذعورًا من سريري، ارتديت ملابسي وخرجت مسرعًا كهارب بدون سبب.
لم أُقَبِّل بشرى كعادتي كل صباح حين أغادر المنزل.
كما أنني لم أُقَبِّل ابنتي في سريرها.
توقفت فجأة: لما علي الركض؟ وفي أي اتجاه؟
ماذا عليّ فعله كي أستقبل هذه الدبابة اللعينة؟
الساعة تشير إلى السابعة صباحًا، ولا مواعيد لي هذا اليوم.
توجهت نحو أول مقهى وألقيت جسدي على كرسي.
ثم أعدت فتح رسالة البوعزاتي، كمن يتأكد من فحواها مرة أخرى.
الدبابة قادمة نحو المغرب وعليّ تسلُّمها.
لا أدري ما الذي عليّ فعله، غير الانتظار.
جربت تمرير مكالمة نحو الرقم الذي وصلتني منه الرسالة، لكن دون جدوى.
ثم جربت مكالمة البوعزاتي على الرقم الأول الذي بحوزتي، لكن بدون جدوى أيضًا.
فتحت تطبيق غوغل على هاتفي ونقرت مفردة: "دبابة".
ظهرت روابط رقمية عديدة تتحدث عن الدبابات، منها موسوعة ويكيبيديا التي تعطي تعريفًا للدبابة كالتالي:
"الدبابة هي مركبة قتالية مدرعة، مصممة للاشتباك بالعدو بنيرانها المباشرة والمساندة، ويتكون التسليح الرئيسي للدبابة من مدفع ذي عيار كبير وبعض الأسلحة المساندة التي تضم عددًا من الرشاشات المحورية والرشاشات الثانوية."
ليس في ويكيبيديا تحديد لقُمرة الدبابة، ولا وصفًا ولا تعريفًا لها، مع أن القمرة هي ما يعنينا، البوعزاتي وأنا، أو على الأقل أنا، في هذه الدبابة.
حين كنا نصنع دبابتنا الكارتونية خلال طفولتنا، كنا نولي أهمية كبيرة لقمرتها. نصنعها بمقاس يسعنا نحن الاثنين، نتفنن في تقطيع المربع الذي يشكل كوة للمراقبة والرصد، ونضع عليه قطعة بلاستيكية شفافة، ثم نحيطه بقضبان سكة صغيرة على جنباته. قطعة خشبية تشكل بابًا صغيرًا للكوة.
لم نكن نولي اهتمامًا لمدفعها ولا لعدد مليمتراته، ولا للمدى الذي تصله ذخيرته.
كما لم نفكر يومًا بالرشاشات الثانوية ولا بتجهيزاتها التواصلية.
دبابتنا قُمرة للاختباء، ومدفع بلاستيكي لا غير.
قمرة الدبابة عالمنا الطفولي الخاص. من داخلها نراقب عالم الآخرين، نتأمله ونتلصص على مفاصله وخباياه. وفي داخلها نرسم أحلامنا، ونحكي مغامراتنا الطفولية لبعضنا.
الآن، يخبرني البوعزاتي أنه أدى ثمن دبابة حقيقية بالمواصفات التي تحدثت عنها ويكيبيديا، وأنها في طريقها إليّ، وعليّ إدخالها إلى المغرب.
هكذا باقتضاب، دون أن تحيل رسالته إلى عالمنا هذا، سواء الداخلي الذي كنا نمتلك تفاصيله، أو الخارجي الذي كان يمتلك تفاصيلنا.
ولجت الموقع الصحفي الذي أديره، وطالعت الأخبار التي اعتمدها حسن، مساعدي في إدارة الموقع. صادقت عليها كلها، دون أن أقرأها بتمعن. أخبار عن حراك الريف: "ناصر الزفزافي يرفض الجلوس مع ممثلي الحكومة ويطالب بالجلوس إلى طاولة الحوار مع من ينوب عن الملك شخصيًا."
ابتسمت لشجاعة هذا الشاب. فهو يدري جيدًا أن الذين سيجلس إليهم لا سلطة لديهم، وأن المشاكل التي يعانون منها في الريف لا يمكن حلها إلا بتدخل الملك شخصيًا.
لكن لا خبر عن البوعزاتي ولا عن الدبابة القادمة إلى المغرب.
راجعت بيانات وأرقام الموقع، عدد الزوار مستقر، وترتيبنا يتحسن يومًا عن يوم.
الساعة تشير إلى التاسعة. ربما عليّ الاتصال بمسؤولين عن وزارة التجارة الخارجية لإعلامهم بموضوع الدبابة القادمة، ولاستبيان طبيعة الإجراءات الواجب اتخاذها لأتمكن من إدخالها.
سأرجئ الأمر إلى ما بعد، فالدبابة كيفما كان الأمر لن تصل قبل أشهر، بالنظر إلى حجمها وطريقة سيرها أو شحنها. لذا أعتقد أنه ما زال أمامي متسع من الوقت لذلك.
