📁 آخر الأخبار

رواية رأس وقدمان لكاتبها عبد العزيز العبدي، الأجزاء الأخيرة


رأس وقدمان والخرافة

الفصل العاشر:

في الغد جاءه مبعوث القصر كما كان متفقا، لكنه لم يصحبه إلى أي مكان، بل ناوله كيسا بلاستيكا، وطلب منه أن يرتدي إحدى الجلابيب البيضاء التي يحويها الكيس والتي تناسب مقاسه، وكذا اختيار بلغة (نعل من الجلد)، ليرافقه إلى القصر بعد ذلك. أمسك عبد الكبير الكيس وهو مندهش، وفي أعماقه أسئلة كثيرة وقليل من الخوف، هل من الضروري أن يلبس هذا الجلباب الذي كان دائما يستهزئ من الذين يرتدونه، كان يشبههم بسيجارة أمريكية، وهم يرتدون رفقته طربوشا أحمر مثل العقب، يتقدمون صوب الملك وهم ينحنون بشكل متواتر ومنهم من يمعن في الانحناء حد لمس الأرض بجبينه... ألم يقل له صديق الملك الذي فاوضه في أمر عودته ومشاركته في هذه العدالة الانتقالية، أن الملك رجل حداثي ويرغب في تطوير البلاد والسير بها في مصاف الدول الديمقراطية والحديثة؟ فلماذا إذن سيرتدي الجلباب الآن؟ كانت بذلة رسمية زرقاء أو سوداء كافية لتفي بالغرض ولا تثير الكثير من التساؤلات في نفس عبد الكبير...

طلب منه مبعوث القصر بقليل من الحزم أن يسرع في تجهيز نفسه، وأن يلتحق به في السيارة بباب الفندق، فالوقت ضيق وعليهم أن يكونوا في المشور السعيد بعد ساعة على أكثر تقدير...

لم يصدق عبد الكبير نفسه وهو داخل صالة فسيحة بالقصر الملكي، رفاق كثيرون سمع عنهم حين كان في المنفى، منهم معتقلون سابقون، وآخرون كانوا بدورهم منفيين، كلهم يلبسون جلاليب بيضاء ونعالاً صفراء، تعرف بينهم على حميد، المنسق الوطني لمنظمته بالداخل حين كانت محظورة، كما تعرف على شاعر كان بالمعتقل، كتب دواوين كثيرة تهاجم حمرة الدم التي تنز من كف الملك الأب، تعرف على نعيمة المناضلة التي زارته في باريس مذ عشر سنوات، وهي تحمل في عينيها بشارة الثورة في المغرب، وقرب اندحار النظام الملكي وقيام سلطة الشعب عبر انتخابات حرة وديمقراطية ونزيهة، تعرف على صديق الملك الذي اتصل به في باريس، لكنه لم يلتفت إليه، كان مشغولا بإجراء مكالمة هاتفية خمن أنها مع سيده، يخبره فيها بأجواء الحضور...

يتذكر عبد الكبير تفاصيل ذلك اليوم، كيف لقنهم شخص قدم نفسه كمساعد للحاجب الملكي تفاصيل السلام على الملك، شكل الانحناء وطريقة تقبيل اليد، عدم إطالة الحديث معه، جوابه على أسئلته بشكل مقتضب ومسبوق بتعبير الاحترام والولاء، عدم إدارة الظهر له حين الانتهاء، والرجوع بخطوات تراجعية قبل الاستدارة، ثم كيف طبق الرفاق القدامى تعليمات مساعد الحاجب الملكي بدقة متناهية، كيف انحنى حميد، مرتين قبل وصوله لكف الملك، كيف أخذها بين يديه وقلبها تقبيلا ومسحا، وكيف لم يرفع رأسه إلا وهو بعيد عن الملك بخطوات كثيرة، قبل أن يصطف بمحاذاة الجنرالات الذين كانوا حاضرين لحفل التعيين...حميد الذي كان يرسم تفاصيل وطن آخر، مطرز بالياسمين والحب، بقامته الطويلة النحيفة وشعره المسدل على جبينه يزرع الأمل في حلقات نقاش الطلبة، ثم وهو يخطط للمظاهرات في البوادي وفي المداشر البعيدة، وأخيرا وهو ينز دما جراء التعذيب الوحشي الذي تعرض له على يد البوليس وبعض العسكر، لعل بعضهم ممن هم مصطفون أمامه الآن، ولم يش برفاقه أبدا، الجميع يتحدث عن صموده تحت سياط التعذيب والتنكيل، وكيف حملوه مرتين للمستشفى كي ينقذوا حياته، ليس احتراما وصونا لها، بل لأنهم كانوا يدركون أن بين أيديهم رأس حربة المنظمة، وأنه مستودع أسرارها وعقلها المدبر... حميد الذي رضع حليب الكرامة من رياح الثورات في السبعينات، وجعل كرامة الإنسان من بين مقدساته في الحياة، وكان يعتبر أن تقبيل اليد والانحناء للسلطان أساسا، ولأي شخص بشكل عام، هو شكل من العبودية وانتقاص من إنسانيته... يتذكر عبد الكبير أنه بدوره انحنى كما أمروه أن يفعل، لكن أساسا كما فعل حميد، وكما فعل رفاق آخرون...

سارت الأمور بسرعة كبيرة، اجتمع المجلس لعدة مرات، كان يُحَضِّرُ فيها عبد الكبير مشاريع مقترحات حول تصوره لطي ملفات ما سمي بسنوات الرصاص، ويحاول إثارة نقاش حول ذلك مع رفاقه السابقين، ومع حميد أساسا، هذا الأخير الذي أبدى ترحيبا في الجلسات الأولى، ووعد عبد الكبير بدراسة مشاريعه ومناقشتها مع أعضائه ومع المستشار المكلف من طرف الديوان الملكي بتتبع أمور هذا الملف، لكنه بدأ يبدي تبرمه من حماسته و يتهرب من استقباله بمكتبه في المقر الفخم المخصص للمجلس...

في صباح ماطر بداية أسبوع ما، توصل عبد الكبير بمكالمة هاتفية من حميد، يخبره بعدم ضرورة حضوره للمجلس، والاكتفاء بعمله في الجامعة كمدرس، وأن تعويضه عن حضور الاجتماعات وعن المهام التي يقوم بها سيتوصل به بانتظام، أفهمه أن وجوده يزعج بعض الجهات التي لا يروقها النقاشات التي يفتحها خارج المجلس، رفقة أصدقاء قدامى له، حول شكل التغيير الذي يريده، وحول شكل المصالحة التي ناقشها رفقة صديق الملك في باريس، والتي لم تلتزم بها الدولة، ثم أخيرا موقفه من حزب صديق الملك، وكيف يرى أنه يشكل ردة في الحقل السياسي، ونوعا من الإجهاز على المكتسبات التي تحققت بفعل نضال هذا الشعب، والعدد الكبير من الشهداء والمعتقلين الذين قدمهم قربانا لهذه الحرية الناقصة...

كانت مكالمة حميد طعنة في كبرياء عبد الكبير، نوعا من الغدر والخيانة اللذين أحس بهما، تأكيدا لما كان ينبهه له صديقه المختار الذي بقي في فرنسا، ورفض أن يعود إلى المغرب، بل اعتبر نفسه غير معني بهذا الوطن، ما دام قد حصل على الجنسية الفرنسية، كان يقول له أنه لا شيء في المغرب قد تغير، و ما تقوم به الدولة الآن ليس إلا إعادة ترميم صورتها، وضخ القليل من أسباب الحياة في جسدها المتهرئ، وإنه (أي عبد الكبير) والرفاق ليسوا سوى وقود لمحرك الدولة، ستنقضي مهامهم باستنفاد مخزونها منهم، وسيسجل التاريخ ضدهم أنهم باعوا الوطن والحلم به مقابل مناصب وهمية وسيارات فارهة وقليل من الأموال..

بكى يومها عبد الكبير كما لم يسبق له أن فعل، شلال الدموع التي تنهمر من مقلتيه الصغيرتين لم يكن كافيا لغسل أتربة تراكمت على روحه من جراء الانغماس فيما يعتبره خيانة لنفسه ولأصدقائه، صور الشهداء تتراقص أمامه، وفتحات في أجساد الرفاق بحجم الطرق المشرعة على الجنون، ينز منها الدم والوعي الأبيض، وهو ينظفها ويبكي، ينظف جروح الأصدقاء وفي قلبه غلٌ يكبر اتجاه الذين عذبوه، والذين يسرقون خبزه وفرح الأطفال، بكى اليوم لأنه صدق أن هؤلاء أنفسهم فطنوا لفداحة ما ارتكبوه في حقه وفي حق رفاقه وفي حق نساء ورجال البلاد، وقرروا فجأة أن يعتذروا، وأن يندموا على ما فعلوه وأن يفتحوا صفحة جديدة، تكون فيها البلاد مشرعة النوافذ والأبواب لجميع أبنائها، صدق لأن حميدا كان منخرطا في هذا المسلسل، وانحنى يوم تعيينه في حضرة الملك، لأن حميدا انحنى قبله، وأفهمه بعد ذلك أن تلك المسائل شكليات وأنها في طريق إلى الزوال والانقراض... قال له لا تنس أن الملك ليس شخصاً، بل هو مؤسسة ولا يمكن أن نطلب منها تغيير الكثير من العادات وبعض المراسيم البروتوكولية بين ليلة وضحاها...

حاول الاتصال بحميد مرة أخرى، لكنه لا يجيبه على مكالماته، حاول الاتصال ببعض الرفاق ممن كانوا معه في المجلس غير أنهم لا يجيبون، وحده المسؤول عن القسم الإداري من اتصل به ليخبره بضرورة استرجاع السيارة الموضوعة رهن إشارته والحاسوب المحمول والمتعلقات الأخرى التي تعود ملكيتها للمجلس، كما أخبره باستحالة صرف تعويضات الحضور والمهام لأنها غير قانونية، خلافا لما وعده به حميد...

انزوى عبد الكبير في شقته لبضعة أيام، لا يسأل عن أحد ولا يسأل عنه أحد، وحين قرر فك عزلته، أخذ حماما باردا، وحلق ذقنه، ثم توجه إلى حانة صغيرة في وسط المدينة، هي نفسها الحانة التي كان يشتهي الذهاب إليها، لولا تحذيرات حميد، وبعض رفاقه في المجلس، والذين ما انفكوا يحدثونه عن وضعه الاعتباري، وأنه لا يليق به أن يجالس العامة من الناس، وأن عليه أن يختار الأماكن بعناية، وهي متوفرة في العاصمة، على شكل صالونات ومطاعم فاخرة، وهناك يستطيع أن يجالس مدراء شركات ووزراء وجنرالات...

في حانته الصغيرة كان يحب أن يجلس على طاولة مهترئة ومنزوية في ركن قصي منها، حيث يمكنه مراقبة الوافدين إليها، واستراق السمع للمخمورين بجواره، يضحك في سريرته وهو يتابع نقاشاتهم السياسية، كيف تتطور من الجدية إلى نوع من السباب والشتم، حسب درجة لعب الخمر بعقول أصحابها، كما كان يحب مجالسة سي أحمد، الفقيه الذي يؤم الناس في مدينة القنيطرة، ويتكبد عناء السفر يوميا إلى العاصمة، حيث ينزوي في هذه الحانة كي لا يضبطه أحد من معارفه وهو يحتسي الخمر، كان يحب أن يجالسه ويناقش معه أمور الدين والسياسة، كيف يفسر الفقيه احتساءه للخمر، بعدم وجود ما يمنع ذلك في القرآن والسنة بشكل قطعي، كما كان يحب الفقيه أن يثير عبد الكبير بحديثه حول السياسة، وحول اليسار بشكل خاص، والذين كان ينعتهم بالضالين، رغم أنه يعرف أن الكثير منهم ذمتهم طاهرة وسلوكهم حميد... كان الفقيه سي حمد يحدث عبد الكبير عن ضرورة غذاء الروح، وأن الدين ضروري خارج اختلافهما حول وجود الله من عدمه، وأنه كان دائما يوفر للإنسان ملاذا نفسيا يجد فيه الاطمئنان والسكينة، وأنه يتفق مع عبد الكبير في عدم جعل الدين أداة للحكم ولا لممارسة السياسة، كما كان عبد الكبير يتفق على وجود الدين إن كان حاملا لقيم وأخلاق حميدة، لا بأس لديه إن كان المواطن لا يكذب ولا يخون ولا يسرق لأنه يخاف الله، لكن أن يتحول هذا المواطن إلى ناطق باسم الله في نشر الفضيلة فهذا ما لم يكن يستسيغه عبد الكبير...

شرب عبد الكبير ليلتها بشكل مفرط، ولم ينتبه إلا وهو يستيقظ في سريره، والفقيه سي أحمد بجواره، أخبره أنه فقد وعيه في الحانة، واضطر لمصاحبته إلى شقته والمبيت معه فيها، لأنه لم يكن له متسع من الوقت كي يعود أدراجه إلى مدينة القنيطرة، قال له أنه كان يهذي طوال الليل، يتحدث عن رفاقه الذين تخلوا عنه بعد أن خانهم، عن الشهداء الذين باع دمهم مقابل وهم المصالحة، وعن حياته التي أضاعها في بناء سراب الثورة والوطن المزيف... أخبره سي أحمد أنه بكى كثيرا وهو نائم، أنه تذرع لله كي يغفر له نكرانه لوجوده، وأنه حدث سيدي شمهروش وطلب وساطته كي ترضى عنه الميمة ويرضى عنه الجواد جميعهم...

لم يصدق عبد الكبير ما حكاه له سي أحمد الفقيه، واعتبرها بداية نوع من المزاح الذي يتبادلانه، لكن مع إصراره على تكرار قصة الجواد والميمة على مسامعه، بدأ يجادله بشكل جدي في هذه الأمور، التي لم يكن يتصور أن لاوعيه يختزنها، حاول الغوص بعيدا في طفولته لعله يسترجع شيئا مما يبرر ما يحكيه الفقيه لكن دون جدوى، استنجد بقراءاته للكثير من نظريات علم النفس دون أن يجد جوابا للأمر، استسلم لحكايات سي أحمد، خاصة أنها صادفت أزمة نفسية حادة جراء المقلب الذي أخذه فيما سماه مسلسل المصالحة، من طرف رفيقه حميد، ورفاق آخرين...

قرر عبد الكبير أن لا يشرب الخمر منذ ذلك اليوم، واستبدلها بممارسة رياضة المشي، كان يخرج من شقته المطلة على البحر، ويذرع المسافة الفاصلة بينها وبين وسط المدينة، حيث يبتاع الجرائد، وينزوي في مقهى صغيرة هناك، يقرؤها ويحتسي قهوته، يصادف في بعض الحالات بعضا من رفاقه في المنظمة، الذين يبادلونه تحية مقتضبة، كل حسب زاوية رؤيته، منهم من يعتبره خائنا، لأنه انجرف وراء إغراءات السلطة وباع رصيده وتاريخه للنظام، ومنهم من يعتبره مغضوبا عليه من طرف الدولة، لأنه كان الوحيد الذي تم استبعاده من المجلس ومن دواليب هذه السيرورة التي يفتخر بها بعض رفاقه... وحده الفقيه من أصبح يلح عليه للجلوس معه، يحاول في كل لحظة تذكيره بهذيانه في تلك الليلة، ويحثه على ضرورة البحث عن طريق توصله بالجواد الذين زاروه إبان غيبوبته، فتلك فرصة لا تؤتى لأي كان وعليه أن لا يضيعها من بين يديه..

في بداية ذلك المساء، رن هاتفه، وكان على الخط السي أحمد:

- سيدي عبد الكبير، سأمر عليك أمام المنزل، انتظرني بعد عشرين دقيقة...

- لكنني...

انقطع الخط دون أن يستطيع أن يتمم جوابه، وكان مضطرا لارتداء ملابسه والنزول أمام العمارة لانتظار صديقه الفقيه سي أحمد، الذي وصل قبل الوقت المحدد، ودون أن يُسْكِتَ محرك السيارة، طلب منه الركوب، وانطلق به في الطريق...

- وجدت ضالتك، قال الفقيه سي أحمد، امرأة فاضلة، تدير زاوية في أحد الأحياء الشعبية، اسمها فاطمة ويلقبونها بالميمة، لها حظوة خاصة عند الجواد، وخاصة لالة عيشة الحمدوشية، وهو أصل تسميتها بالميمة..

- لكنني..

- لا تتسرع، دع أفكارك عندك، ولن تخسر شيئا إن جربت، سنتعرف على هذه السيدة لمدة نصف ساعة، فقد حدثني عنها رجل فاضل، إن لم تجد راحتك برفقتها ننصرف ولن نكون قد خسرنا شيئا...

توقفت السيارة عند باب الزاوية، حيث تقطن الميمة، طرقا الباب، لتفتح لهما الخادمة الصغيرة، نفس الخادمة التي فتحت لنا الباب أنا وشامة،سألاها إن كانت السيدة فاطمة موجودة، أفردت لهما دفة الباب ليلجا منها، وهي ترحب بهما :

- تفضلا، الميمة بانتظاركما..

قادتهما إلى الغرفة التي تختلي فيها الميمة، استأذنتهما لحظة، لحين إخبارها بقدومهما، تم سمحت لهما بالدخول..

في حضرتها، أحس عبد الكبير بصدره يتسع للكثير من الهواء، خدر لذيذ اجتاح جسده، وشعور جارف بالنوم انتابه، كانت رائحة الصندل وقليل من البخور تداعب خياشيم أنفه، وهي تنظر إليه وعلى شفتيها ابتسامة تتأرجح بين الغواية والشماتة، وبصوت رخيم تشوبه مسحة حزن ظاهرة:

- أتيت، أخيرا أتيت، بعد ربع قرن من التعنت والهروب...

- هل تعرفينني، سيدتي؟

- هل تؤمن بالله يا ولدي؟

- ما فائدة هذا السؤال الآن؟ أنا أسألك فقط إن كنت تعرفينني، ولا علاقة لذلك بإيماني بالله من عدمه...

- جوابي على سؤالك رهين بجوابك على سؤالي، إن كنت تؤمن بالله فأنا أعرفك وإن لم تكن تؤمن بالله فأنا كذلك أعرفك لكنني لا أريدك أن تبقى بجانبي...

أحس عبد الكبير بذكاء المرأة الثاقب في حوارها معه، وأحس كذلك براحة تغمره من رأسه إلى أخمص قدميه، تحدث معها طويلا، تحدثا حول أمور كثيرة، حول منفاه الذي اضطر له في ريعان شبابه، حول التزامه السياسي، حول رفاقه الذين كانوا يأتمنونه على أسرارهم، حول الذين خانهم والذين خانوه، ثم حول حكاية الفقيه سي أحمد، وحديثه عن هذيانه في تلك الليلة التي أغمي فيها عليه في الحانة، ثم عن قراره التوقف عن الشرب وممارسة رياضة المشي، لم تتكلم الميمة كثيرا في لقائها الأول به، فقط أخبرته أن الجواد أخبروها بقدومه قبل أسبوع، في نفس اليوم الذي كان فيه شمهروش يتحدث نيابة عنه وهو مغمى عليه، كما دعته لحضور الليلة التي ستقيمها في نهاية الأسبوع الموالي...

في الغد الذي تلى يوم زيارته للميمة، توجه عبد الكبير إلى الجامعة حيث قدم استقالته، غير مكان سكنه من الشقة المطلة على البحر، إلى شقة في حي شعبي قريب من سكن الميمة، غير كذلك أرقام هاتفه، وذاب وسط العوام... لا أحد يتذكره الآن.

الفصل 11

لم تأبه شامة وربيعة لامتلاء الصالة بالوافدين، وهما منخرطتان في حديثهما الثنائي، إلا عندما بدأت الموسيقى تصدح من آلات الفرقة الجالسة في الطرف القصي من الصالة، بالقرب من الحمام الذي تستعمله الميمة بشكل منفرد وخاص، موسيقى حزينة وبدون انسجام بين الآلات، وهمهمات العازفين بكلمات أغنية كناوية تستدعي لالة عيشة الحمدوشية وتطلب بركاتها، يتسارع الإيقاع تدريجيا، ليتغلب صوت الموسيقى والغناء على ضجيج الأحاديث الثنائية، يصمت الجميع، فقط الموسيقى وأصوات ذكورية تغني، يرتفع الإيقاع وترتفع معه حناجر المغنين، صوت الناي لحن بكائي شجي، القرقاب يزيد من رفع الإيقاع، وأصوات الفرقة تتحد مع نحيب نساء في القاعة، لتنطلق صرخة مدوية من زاوية الصالة المقابلة للمكان الذي تجلس فيه شامة وربيعة، يلتفت الجميع لنفس الزاوية، العالية، الشابة الصحراوية تتمرغ في الأرض وهي تصرخ بأعلى صوتها، تطلب نجدتها، لا أحد يجرؤ على الاقتراب منها، حاولت ربيعة فعل ذلك، لكن حركة من كف شامة منعتها، همست في أذنها أنه لا يجوز فعل ذلك، فأحد الملوك هو من احتل جسدها الآن، وسينزعج إن حاول إنسان تخليصها منه، ربما قد يؤذيه بشكل خطير، ولن تنفع معه علاجات الميمة أو أي شيء آخر...

همست امرأة تجلس بالقرب منهما، لعله سيدي شمهروش، هو الذي يتجرأ ويأتي قبل دخول الميمة، وقبل بدء الحضرة، الآخرون ليسوا بجرأته ولا شجاعته، والميمة تسامحه وحده على هذا التجاوز، فقد سبق لها أن عاقبت سيدي السايح بودربالة، لأنه تجرأ على خناثة، الصيدلانية التي حضرت حفل الحضرة في الشهر الماضي، وحاول احتلال جسدها قبل بداية الحضرة الرسمية وقبل حلول الميمة في الصالة، فأمرت بسجنه ثلاث ليال، وإرغامه على أكل خبز مالح...

خفتت الموسيقى، لتهدأ العالية قليلا، تمددت على الأرض، وهي تنتحب بحرقة، لم تعد تصرخ كما كانت في الأول، أومأ رئيس الفرقة برأسه لأحد الخدم المتواجد بالقرب من الباب، والذي فهم الإشارة، فأحضر كوب ماء وقليلا من السكر، تجرعت منه العالية بضع جرعات، وأسندت رأسها على كتف الخادم الذي رفعها للأريكة حيث عاودت الجلوس في مكانها...

انطلقت الموسيقى من جديد، الناي وحده وصدح القرقبات من حين لآخر، لم يرتفع الإيقاع هذه المرة، يشخص رئيس الفرقة الموسيقية بعينه نحو الباب، حيث تدخل خادمتان تحملان طبقاً من الحلوى وصينية شاي تطوف بهما على الحاضرين، تتبادل الحديث مع الحاضرات، اللواتي يسألنهما عن الميمة وعن موعد صعودها من الزاوية للصالة، هما لا تعرفان موعدها بالضبط، لكنهما تجيبان باقتضاب بأنها لن تتأخر عنهن كثيرا، النساء يأخذن أكواب الشاي، وقطع الحلوى، التي عادة ما يخبئنها لاعتقادهن أنها حلوى الميمة، ويستحسن الاحتفاظ بالقليل منها ليهدينها لأقاربهن وأبنائهن الذين لم يحضروا، تخرج الفتيات من الصالة، ليدخل شاب في العشرين من عمره، يحمل في يديه صحنا مملوءا بالدم، يضعه للحظة أمام الفرقة الموسيقية، يوجه صاحب الناي آلته باتجاه الصحن، ويبدأ في عزف شجي، يعزف طويلا في وجه الدم المسكوب في الصحن، يرتفع إيقاعه تدريجيا، أحد الرجال ذوي الجلابيب البيضاء ينتحب، يبكي بحرقة وهو يضع رأسه بين كفيه، وبين الفينة والأخرى يرفع رأسه ويمسح عينيه بمنديل في يديه، وهو يردد: "هذا ما كتاب عليا أسيدي ربي"... ثم يعاود الانتحاب بصوت خافت لكنه مسموع...

يحمل الخادم الصحن المملوء بالدم، ويطوف به على الحاضرين، في يديه علبة مربى فارغة، ينقع الحاضرون أصابعهم في صحن الدم، بعضهم يلعق أصبعه، لكنهم جميعا يضعون بعض الدراهم في علبة المربى الفارغة، لم تستطع ربيعة فعل ذلك بينما شامة غطست أصبعها مرتين، ولعقته مرتين، قالت إن الأولى لها والثانية لي، لأنها تعرف أنني لن أستطيع فعل ذلك، ثم وضعت قطعا معدنية في العلبة الفارغة، عبد الكبير بدوره وضع قطعا نقدية لكن دون أن يلعق الدم من الصحن...

أخبرتني شامة أن الشاب هو المكلف بحراسة سيارات الحاضرين في الحفل، وهو يقوم بذلك مجانا، إذ تمنع عليه الميمة أن يأخذ أجرا جراء خدمته هذه، لكن بالمقابل أهدته بركة التجول بدم الأضحية، الذي يعتبر لعقه جالبا للقوة والبركة واليمن، كما أنه يبيع ما بقي منه في الصحن لبعض الرجال خلسة، لأنه يقوي قدرتهم الجنسية...

أسكتت فرقة الموسيقى آلاتها، وران صمت خفيف لثوان معدودة، لتبدأ بعدها جلبة الأحاديث الهامشية، ضحكات فتيات في ركن من الصالة يثير انتباه الحضور، يتبادلن نكتا وأخباراً عن الزائرات والزوار لهذه الزاوية، كن ينظرن بين الحين والآخر صوبنا، لعلني كنت الغريب الجديد، وكانت شامة تتضايق، وتخفي ذلك بجذب انتباهي لأحاديث لا معنى لها... ربيعة انخرطت في مكالمة هاتفية طويلة مع إحدى صديقاتها، فهمت من خلالها أنها تشعر بسعادة كبيرة وهي هنا، وتحاول إقناع المتحدثة معها بضرورة زيارة الميمة، لعلها زميلة لها في مهنة الطب، أو على الأقل امرأة بثقافة لا بأس بها، لأن حديثها كان أغلبه بلغة فرنسية راقية، وكانت عبارات ربيعة الحجاجية ذات تراكيب تدل على مستوى تعلم المخاطبة...

عند مدخل الصالة، جلبة وضجيج، ثم صوت المرأة التي استقبلتنا بالزغاريد في أول زيارة لي للميمة رفقة شامة، تصدح حنجرتها بنفس الزغرودة، بعد الصلاة على النبي، وبشكل فجائي تصدح الموسيقى من جديد، رجال الفرقة باغتهم الحدث، فتعثروا وهم يمسكون آلاتهم، الجميع تشرئب أعناقهم تجاه الباب، والكل يهمس لصاحبه الجالس أمامه، أو لنفسه: الميمة أتت، لقد حضر الجواد، بركاتهم يا مولانا...

تدخل فاطمة إلى الصالة الفسيحة، تسبقها فتاتان صغيرتان تحملان مبخرة تفوح منها رائحة عود الصندل الزكية، بدورهما يسبقهما سائقها الخاص، ونديمها الذي لا يفارقها، يفرغ لها الطريق كي تمر، كما ينهر الزائرات اللواتي يردن الارتماء على قدميها لتقبيلهما، يرتفع إيقاع الموسيقى شيئا فشيئا، وفاطمة تتوجه صوب الركن القصي في القاعة، حيث المكان الذي أعد لها قبالة الفرقة الموسيقية، وعلى شكل أريكة ترتفع قليلا عن مستوى الجالسين، على شكل منبر للخطابة، وهي متوجهة إلى مكانها تحاول بعض النساء اعتراض طريقها، رغم اعتراض السائق لهن، يحاولن لمس جزء من ثيابها، كتفها أو رأسها، وهي في شموخ لا تأبه بهن، يتمايل رأسها في حركة تتبع إيقاع الموسيقى، يرتفع ايقاع الموسيقى كلما اقتربت من مكانها، كما ترتفع وتيرة حركة رأسها، يتمايل جسدها كله، تبتعد النساء فجأة عنها، كما يبتعد السائق، يشكل الحضور حلقة، وفي وسطها لالة فاطمة وهي ترقص بعنف، وتصدر أصواتا تتراوح بين النحيب والصراخ، تصرخ خادمة في وجه أخرى:

- عتقوها بالما السخون، جيبي الما سخون قبل ما تمشي فيها...

في لحظة تمد الخادمة لزميلتها بقراج ماء ساخن، تمده بدورها للميمة الذي تسكب محتواه الحارق في حلقها، ثم تسقط مغمى عليها...

يبتعد السائق عن الحاضرات اللواتي يرتمين على جثتها، بعضهن ينتحب في صمت وأخريات يولولن، ويترجينها أن لا تتركهن وحيدات...

كانت شامة وربيعة تنتحبان في صمت، وهما جالستان في مكانيهما، وكنت مذهولا بهذه البداية الكرنفالية لحفل أنتظر فيه ملوك الجان وهم يرقصون، لا السيدة فاطمة وهي تضع جسدها على مذبح النار الحارقة وقرب الموت، نظرت باستغراب إلى شامة التي أدركت حيرتي، أمسكت بكفي في حنو ظاهر، ثم قالت بصوت كانت تهدف أن تُسْمِعه لربيعة:

أول مرة أرى سيدي ميمون الأحمر يفتتح الحضرة، لباسها الأحمر يعني أنه هو الذي يسكنها الآن، وهو الذي له قدرة على شرب الماء الساخن، ربما هذا ما يفسر تأخر وصولها، عادة يفتتح الحفل سيدي شمهروش، ملك ملوك الجان، وهو يرتدي الأبيض، لكن يبدو أنه تأخر في الوصول إليها، أو أنها أرسلته في مهمة تستدعي غيابه الآن، ويبدو أنه أعطى موافقته لسيدي ميمون الأحمر كي يفتتح الحفل...

سيدي شمهروش لا يعذبها في افتتاحه الحفل، يمسك بيديها لحين وصولها لمنبرها، ويساعدها قبل ذلك على الطواف على الحاضرين والسلام عليهم وعليهن واحدا واحدا وواحدة واحدة، وغالبا ما سيعاقب سيدي شمهروش سيدي ميمون الأحمر، لما ارتكبه الآن في حقها، إلا إذا غفرت له الميمة...

كانت ربيعة وامرأة أخرى بالقرب منها تستمعان بانتباه شديد لما تقوله شامة، وبين الحين والآخر، ترددان حوقلة أو بسملة، وتدعوان الجواد أن لا تمسوهما بسوء، بينما جماعة النساء اللواتي تحلقن حول السيدة فاطمة وهي ممدة على أرضية الصالة العارية، بدأن في العودة إلى أماكنهن، تاركات الفرصة للخادمتين كي ترفعاها من على الأرض وتساعداها على الجلوس على منبرها قبالة الفرقة الموسيقية...

بدأت الموسيقى في الصدح مرة أخرى، تومئ الميمة من مكانها لخادمة في باب الصالة، لتختفي هذه الأخيرة، وتعود بعد لحظة مرفقة بشباب يحملون أطباقا يضعونها على الطاولات الدائرية وسط الصالة، مرق ولحم، أغلب الظن أنه لحم البقر الذي اشتريناه يوم السوق الأسبوعي رفقة الميمة، والذي تم ذبحه مساء نفس اليوم، ووزع حارس السيارات دمه على الحاضرين مقابل نفحات من المال يضعها الحضور في علبة المربى الفارغة التي كان يتجول بها... كان تناول وجبة العشاء فرصة للتعرف عن القرب على السيد عبد الكبير، الذي انظم إلينا حول الطاولة، لم تشأ ربيعة أن تذكره بنفسها، ربما بمكر النساء، حاولت أن تختبر ذاكرته، أو أن تعرف المسار الذي سلكه كي يصل لهذه الزاوية المهشمة، أو ربما شيء في داخلها يجعلها تخجل من إعلان هويتها له، فكيفما كانت الحال، ليس من السهل أن تواجه نفسك في مرآة الآخرين، سواء بالنسبة لربيعة وهي تنظر إلى مسارها في مرآة عبد الكبير أو هذا الأخير وهو يسترجع فصولا من تاريخه فيما يمكن أن تحكيه له ربيعة...

لم يتكلم عبد الكبير لحظة تناول العشاء، اقتطف لنفسه كسرة خبز صغيرة وقطعة لحم، وعاد إلى مكانه على الأريكة يقرأ جرائده في انتظار استئناف الحفل، بينما لالة فاطمة، دخلت حمامها الخاص رفقة خادمتها...انتهت الجموع من تناول حفل العشاء، وانفض الجميع من حول الطاولات ملتحقين بأماكنهم على الأرائك، في حين انهمكت بعض الخادمات في تنظيف الطاولات وأرضية الصالة مما سقط عليها من بقايا الطعام، ليقمن بعد ذلك بتوزيع كؤوس الشاي على الحاضرين...

تستأنف الفرقة الموسيقية عملها، يبدأ صاحب الناي في عزف لحن بإيقاع سريع لكنه خافت، تتصاعد نبرته شيئا فشيئاً، تصاحبه في لحظة ما دندنة الهجهوج، يتمايل رأس العازف الكناوي في انسجام مع الدندنة، يلتحق بهما صاحبا القرقابات، تؤلف الآلات الثلاث موسيقا منسجمة، رائحة العبيد تفوح من تاريخ اللحن الباكي، رؤوس الحاضرين تتمايل مرة أخرى على إيقاع نغمات اللحن، ينفتح باب الحمام حيت كانت الميمة مختلية بنفسها، ليفصح عن لالة فاطمة وهي تجثو على ركبتيها وتتقدم حبوا باتجاه الحلبة الصغيرة بين منبرها والفرقة الموسيقية، تزداد الموسيقى صخبا، تقف على قدميها وهي ترقص بشكل مثير، لباسها الأصفر المزركش بحلي من الذهب يشي بكونها امرأة لعوباً، تضحك النساء الحاضرات ويشاركنها الرقص، في حركات بإيحاءات جنسية مثيرة، تمسك لالة فاطمة فردة نعلها وتضرب عضوها التناسلي في عقاب له على ما يجلبه لها من متاعب، النساء تضحكن ملء قلوبهن، والموسيقى تزداد صخبا، تردد لالة فاطمة مقاطع من أغنية لالة ميرة ، ويرد عليها الحاضرون ممجدين هذه الجنية، يستمر الرقص والغناء والصخب، لالة فاطمة تتصبب عرقا، شامة وربيعة رقصتا كما لم تفعلا من قبل، شعر شامة أصبح أشعث، وبعثر العرق كل المساحيق التي وضعتها على وجهها... تخفت الموسيقى تدريجيا، ليبدأ الحضور في التوقف عن الرقص، تتوجه لالة فاطمة المسكونة بالجنية ميرة لمنبرها قبالة الفرقة الموسيقية، يتوقف العزف ويرون صمت في القاعة، تفرد لالة ميرة كفيها تجاه السماء، وتتلوا دعوات عامة، لتعرج على الحاضرات كل واحدة باسمها، تدعو لهن بإنهاء حالة العنوسة التي تصيبهن، مبتهلة لملك ملوك الجن وقرينته الميمة بأن يساعدا كل واحدة من أجل أن تجد عريسها، كما وجهت لفائدة المتزوجات دعوات كي تظللن موضوع اشتهاء من طرف أزواجهن، وأن لا ينظر هؤلاء الأخيرون لنساء غيرهن...

ذهبت شامة برفقة ربيعة إلى قاعة الحمام، كي يعيدا ترتيب شعرهما وتضعا مساحيق التجميل على وجهيهما، وتزيلا أثار جذبة الرقص التي انخرطتا فيها لحظة دخول لالة ميرة، في تلك اللحظة أومأت لالة فاطمة لخادمة تستفسرها عنهما، وقررت تمديد حصة الدعوات لحين عودتهما بعد أن ذهبت الخادمة لاستعجالهما... حين قدمتا، وأخذتا موقعيهما، عاودت لالة فاطمة أو لالة ميرة، فهما في هذه اللحظة سيان، الدعاء من جديد للحضور، دعت لشامة بالهناء صحبة ابن الزاوية الذي ستتزوجه، دون أن تشير إلي بالاسم ولا حتى بالإشارة، ودعت لي بالثبات في من سأختاره من بنات الزاوية دون أن تذكر شامة بالاسم كذلك، وعرجت على ربيعة، تطلب من الجواد أن يستبدلوا حبها لشخص يسكنه جني كافر بآخر ممتلئ بحب الزاوية وأبنائها، ابتسمت ربيعة وهي تسمع دعاء لالة ميرة، لعلها استكانت لهذا الإيمان بالجني الكافر الذي يسكن ناصراً كي تتخلص من ذكراه... لم تدع لالة فاطمة لفائدة السيد عبد الكبير، وهو منزو في ركنه بالصالة، لا يأبه لما يدور حوله، أومأت للفرقة الموسيقية برأسها، لتبدأ العزف من جديد، وتبدأ النساء الحاضرات بالرقص، دون أن تشاركهن، إذ بقيت منهمكة في إعداد صينية من الفضة، وضعت فوقها منديلا أخضر وورقات حناء يابسة، ومدتها لأحد أعضاء الفرقة الموسيقية، الذي بدأ في الطواف على الحضور...كان الجميع يضع ورقات مالية تتراوح بين الخمسين و المائتي درهم، وكان لا ينتقل من مدعو إلى آخر قبل أن يضع نصيبه في الصينية، حين وصل دورنا، تجاوزنا إلى الذي يلينا على الأريكة، أفهمتني شامة أننا معفيان من أداء أتعاب الفرقة الموسيقية لأننا أصلا نحن من يمول هذا الحفل، ولا يمكن أداء ثمن خدماتهم مرتين متتاليتين...

الموسيقى لا زالت تصدح ألحانا كناوية، ونساء قليلات يرقصن ببطء والعياء باد على وجوههن، عاودت لالة فاطمة الجثو على ركبتيها، وهي تدندن بكلمات هي إلى النحيب أقرب منها إلى الغناء، تمشي حبوا بشكل دائري في الحلبة الموجودة بين الفرقة الموسيقية ومنبرها، ثم تفرغ لها خادمتها طريقا باتجاه حمامها، تتوجه صوبه وإيقاع الموسيقى يرتفع تدريجيا، إلى أن يعم الصخب كافة أرجاء الصالة، تعاود نساء كن قد انتهين من الرقص، رقصا جديدا...

يعم الهدوء مرة أخرى الصالة، لتجد شامة فرصتها في إظهار معلوماتها حول عوالم الميمة والجواد، بفعل الأقدمية التي راكمتها منذ ما يزيد عن سنتين من ارتياد الزاوية، تشرح لربيعة الخطوات الموالية في هذا الحفل الذي يحتفي بمخلوقات غير مرئية لكن لها كل القوة من أجل تغير مسار حياة الإنسان، وربيعة من جهتها تصيخ السمع وهي منتشية بالفرح الذي يغمرها والطمأنينة التي أحست بها منذ أن تعرفت على شامة ومن بعدها على لالة فاطمة، ثم هذه الجذبة التي انخرطت فيها، وأحست بجسدها وهو يطرد كل تشنجاته التي راكمها طيلة سنوات من علاقتها بناصر، وبالأخص في نصف السنة الأخيرة...

كانت الموسيقى مختلفة، الناي وحده يعزف لحنا فيه من الحزن والشجن الكثير، يفتح باب الحمام، لتخرج منه لالة فاطمة وهي تتأبط عصا بيديها، مرتديةً أسمالا ممزقة، وتضع على ذقنها لحية مصنوعة من صوف الخروف، وعلى ظهرها جراب من الدوم مشدود لجسدها بقنب غليظ... الناي يعزف لحنا خفيفا، كأنه يحكي قصصا من زمن الأسطورة والبداوة، تطفأ الأضواء في الصالة إلا مصباح بالقرب من الفرقة الموسيقية ينير طريق لالة فاطمة والحلبة التي تفصل منبرها عن الفرقة الموسيقية، تمشي منحنية وهي تتكئ على عصاها، وتحرك رأسها يمينا وشمالا في دندنة يسمع خلالها مفردات غير مفهومة، تصل إلى الحلبة قرب الفرقة الموسيقية، وتومئ بكفها لينخرط العازفون الآخرون رفقة صاحب الناي، تعلو موسيقى كناوية صاخبة، فجأة يقفز الرجل صاحب النظارة، الذي انزوى في ركن من الصالة وهو يجري مكالمات هاتفية، ليرتمي على قدمي لالة فاطمة وهو يصرخ:

- ها العار أسيدي السايح عمرني منعاود... ها مالي وها دمي نفديك به غير اسمح ليا...

تدفعه لالة فاطمة بعكازها في حالة غضب بينة، يحاول الرجوع إليها لكن سائقها يمنعه من ذلك، يستعطفه لكن دون جدوى... واصلت لالة فاطمة دورانها في الحلبة وهي تتكئ على عصاها، والعازفون يرفعون صوت الموسيقى لأعلى طبقاته، لا أحد يجرؤ على الرقص، النساء خاصة خائفات، والرجال منزوون في أماكنهم يتساءلون عن سر هذا الرجل صاحب البذلة الأنيقة والنظارات الطبية الذي رفض سيدي السايح بودربالة مسامحته، وماذا عساه يكون قد فعل؟

جلست لالة فاطمة على منبرها، لتومئ مرة أخرى لخادمتها التي اختفت لحظة، وتعود بطبق من دوم مملوء بأكياس صغيرة من حناء وقطع حلوى صغيرة ملونة، طافت بها على الحضور الذي كان يستبدل كل كيس منها بورقة من فئة عشرين درهم، وكان من بين الحضور نساء ورجال، يأخذون أكثر من كيس...

الرجل صاحب النظارة والذي كان يجري مكالمات هاتفية عديدة لحظة دخوله للصالة، منزو في مكانه، يمسك صدغيه بأطراف يديه، وبين الفينة والأخرى يستل منديلا من جيبه ليمسح به زجاج نظارته، كان ينتحب في صمت، ركلة سيدي السايح بعكاز لالة فاطمة ما زالت تؤلمه في أضلاعه، وهو يسترق النظر تجاهها لعلها ترأف بحاله وتناديه... في لحظة ما طلبت مني شامة أن أتبعها إلى مقدمة الدرج المؤدي لسطح المنزل، تبعتها دون اعتراض، هناك حيث طلبت مني أن أتوجه للرجل ذاته، وأخبره بأن الميمة تسلم عليه وتخبره بأن يتحلى بالصبر، فهي ستحل معضلته حال وصولها للحفل...

حاولت فهم العلاقة بين شامة والميمة وحكاية هذا الرجل دون جدوى، طلبت مني أن أنفذ أمرها، على أن تشرح لي من بعد لغز الحكاية... قصدت الرجل، وأمسكت بيديه كي أهدئ من انزعاجه:

- مرحبا، بعثتني الميمة خصيصا لأبلغك رسالتها..

بتلهف ضغط على كفي، وهو يستعجلني،

- ما رسالتها؟

- تقول لك اهدأ، ولا تنزعج، ستحل لك مشكلتك حال وصولها للحفل...

- أعرف ذلك، لن تتركني الميمة في هذا العذاب، كل ما أطلبه منها أن تدفع سيدي السايح لمسامحتي، وأنا مستعد للوفاء بالوعد الذي قطعته على نفسي تجاهه..

كانت توصية شامة واضحة، أن ابلغ الرجل رسالة الميمة والعودة للجلوس مكاني بجانبها، لكنني لمست لديه رغبة في الحديث، وكان بي فضول لمعرفة قصته، هو ذاته الفضول الذي كان يعم الحضور جميعهم، سألته بمكر:

- لكن يبدو أن سيدي السايح لم يكن منصفا تجاهك..

لم يدعني أتمم الجملة، قاطعني:

- اصمت، سيادنا الجواد لا يخطئون و هم عادلون تجاهنا نحن البشر، أنا الذي أخطأت في حقه، لقد سبق أن خدمني في قضية جد مهمة حققت من ورائها أرباحا كثيرة، وقد كنت وعدته إن قضى أمري أن أمنحه ليلة من ليالي الملوك، لكنني تقاعست رغم تذكير الميمة لي بالنذر الذي قطعته على نفسي، وهو ما أثار حنقه علي، فانتقم مني بأن ضيق علي مورد رزقي وصرت أقرب إلى الإفلاس...

- لكن كيف ضيق عليك مورد رزقك؟ ماذا تشتغل أساسا؟

- أنا محام، لي مكتب وسط مدينة الرباط، كنت لفترة قريبة جدا من أكبر محاميي هذه المدينة، توفر لي العديد من الملفات التي ربحت فيها أموالا طائلة بفضل الميمة، ومؤخرا زرتها من أجل ملف موكلة لي في قضية ميراث ضد إخوانها، وكان ملفا شائكا، لكن الميمة انتدبت سيدي السايح الذي تسبب في حادثة سير لشاهدين أساسيين في الملف، واللذين كانا نقطة ضعف خطة دفاعي، وهو ما جعلني أكسب الحكم لصالح موكلتي التي دفعت لي أتعابا كبيرة، مبلغاً لم أكن أحلم به طوال حياتي...مساعدة الميمة عبر سيدي السايح كانت مشروطة عند انتهائها بإقامة حفل للجواد، لكنني لم أف بالنذر الذي قطعته على نفسي، وهو ما أغضب الجواد، وأصبح سيدي السايح يتربص بي في كل الملفات الرائجة بمكتبي وأخسر قضاياها أمام المحكمة، ما أثر على سمعة المكتب، ولم يعد أي موكل يلتجئ لي...

المحامي يحكي قصته، وبين عيني يمر شريط التطور في هذا البلد، ما الذي تعلمه في مدارسنا؟ كيف تبخرت دروس التاريخ التي تتحدث عن تطور العقل عند البشرية برمتها؟ أين هي دروس الفلسفة التي تحدثت عن العقلانية وأفكار التنوير والنهضة الأوربية، كيف نجد أنفسنا هنا، شامة وربيعة وعبد الكبير والمحامي وأنا؟

تركت المحامي وعدت لأجلس بجانب شامة، كانت منخرطة كعادتها في حديث ثنائي رفقة ربيعة، بينما الفرقة الموسيقية تستريح ، والحضور بدوره منهمك في أحاديث جانبية، الساعة تشير إلى الرابعة صباحا، ولالة فاطمة منزوية في حمامها رفقة خادمتها، انسحب بعض الحضور ممن أنهكهم النوم والتعب...

صوت الطرق على باب الحمام بالعصا، صمت يرون على الصالة، وموسيقى مفاجئة تنبعث من آلات الفرقة، تصدح بأهازيج وألحان قوية تتصاعد بين كل ثانية وأخرى، يفتح باب الحمام، لتخرج منه لالة فاطمة وهي مرتدية ثوبها الأبيض، صراخ وجلبة في الصالة، الذين كانوا قد غادروها للوقوف أمام الباب من أجل تبادل الحديث وكسر رتابة الجلوس، عادوا ودخلوا إلى الصالة، امرأتان أغمي عليهما، وسارعت خادمتان لحملهما لغرفة مجاورة حيث أسعفتاهما بالماء والقليل من البصل، شهقت شامة بصوت عال، شهقت كأننا على سرير اللوعة، أمسكت بكتفي وهي تبكي، جذبتني نحوها تختبئ في جسدي وهي تصرخ بجنون... عبد الكبير لمَّ جرائده وانتصب بقامته الطويلة ليراقب ما الذي يحدث أمام باب الحمام، لالة فاطمة تسير على الطريق الفاصلة بين مخدعها والحلبة التي تتوسط المنبر الذي تجلس عليه والفرقة الموسيقية، تمسك بيدها سوطاً أسود مصنوعاً من وبر الجياد، وعلى صدرها قلادة نحاسية كبيرة، تمشي ولا تنظر إلى أحد، تنحرف على اليمين باتجاه وسط الصالة، حيث تجتمع نسوة كثيرات، تمسك فتاة في ربيعها العشرين من شعرها وتجرها على بلاط الصلاة غير المفروش، تصرخ الفتاة بأعلى صوتها وهي تتألم من ضرب السوط على ساقها العارية تحت الجلباب...

- ها عار الميمة أسيدي شمهروش، كنت أعتقد أن العادة الشهرية لن تحل بي إلا يوم غد، أقسم بالجواد بأنها باغتتني حين دخلت إلى الزاوية ولم أستطع المغادرة وحرمان نفسي من رؤية الجواد...

كان ضرب شمهروش للفتاة مبرحا، لم تتخلص منه إلا بافتدائها من طرف قريبة لها بالتزامها بنذر تقديم أضحية للجواد قبل حلول الجمعة المقبل... عادت لالة فاطمة في حلة شمهروش وهي تلوح بسوطها في وجه الحضور، الأغاني الكناوية تختلط بهرج وصراخ النسوة، وهي تتقدم صوب الحلبة بالقرب من الفرقة الموسيقية، ترقص رقصا شرقيا يشبه الدبكة الفلسطينية ، مستعملة قدمها اليمنى تارة واليسرى تارة أخرى، وتلوح بسوطها عاليا، يشتد الإيقاع وصخب الموسيقى وتسرع لالة فاطمة في رقصها إلى حين سقوطها أرضا وجسدها يرتعد وينز عرقا، تتوقف الفرقة الموسيقية ، وتسند الخادمات لالة فاطمة للجلوس على منبرها، يتقدم منها رجل وزوجته، يمدان لها كيسا به بعض الحلي، توشوش في أذنيهما كلمات لم يسمعها أحد، وينصرفان خارج الصالة...

شامة التي أنهكها العياء، ما زالت تنتحب، أمسكت بيدها كي أبعث بعض الاطمئنان في نفسها، أسندت رأسها على كتفي.

- غريب أمر ليلتنا هذه، فلأول مرة يدخل شمهروش متأخرا للحفل، هو الذي كان يفتتحه عادة ويسهر على أمنه، الغريب أيضا أن يعفو على الفتاة الحائض بهذه السهولة، فعادة يكون العقاب هو الطرد بشكل نهائي من الزاوية، وفي حالة قبوله نذرا، لا يكون أقل من إقامة حفل الجواد في المقام المقدس، سيدي علي بنحمدوش، وهو حفل يكلف ضعف ما صرفناه نحن هنا، الغريب أيضا أن لا تغادرني الميمة إلا لحظة دخول شمهروش، فهي عادة لا تمكث في أصحاب الحفل أكثر من طقس لملك واحد، عادة تسكننا في دورة لالة ميرة كي تقينا انزلاقات الجنسية لهذه الملكة...

فهمت من حديث شامة معنى رسالتها للمحامي الذي طمأنته بخصوص تدخل الميمة، فهي تعتقد كما يعتقد زوار هذه الزاوية، ومنهم ربيعة الدكتورة المتخصصة في طب الأطفال، وعبد الكبير الحاصل على دكتوراه في القانون الدولي، والمنسق الوطني للمنظمة الثورية على المستوى الخارجي، أن الميمة تحل في ذواتهم، وأن الكثير من التصرفات لا تنسب لهم بل للميمة، كأن يعن لها مثلا قرار توجيه نصيحة للمحامي كما فعلت شامة، أو غيرذلك من الأفعال غير المبررة...

استمر حضور شمهروش بيننا لبعض الوقت، لينصرف صحبة لالة فاطمة التي يمتطي جسدها نحو مخدعها في الحمام، بينما الفرقة الموسيقة التي توقفت عن العزف منذ هنيهة، خرج أفرادها للفناء أمام الدار كي يدخنوا سجائرهم ويعبوا صدورهم بهواء الغبش الذي بدأ يحل ببياض متسخ في السماء...

غفت ربيعة في حصة نوم، فقد استبد بها التعب والإرهاق، لكنها كانت سعيدة بحضورها لهذا الصخب الذي حرر جسدها وروحها من كلس العقل، وأضحت أكثر حبورا رغم الإعياء... شامة تشعر بوخز في جنبها ألأيسر، لكنها لا تشتكي كثيرا، حين حاولت ربيعة الطبيبة الاطمئنان عليها، أخبرتها أنه وخز يلازمها منذ طفولتها، وأن لا طبيب استطاع أن يشخصه بشكل دقيق، فقط الميمة نصحتها بعدم الاهتمام، لأن الألم سيختفي بعد أن ترزق بأول طفل، لأنه في الحقيقة ليس سوى جني مسلم صغير ينتظر أن تحبل بطفلها كي يسكنه...

الخادمات على غير عادتهن يطهرن الصالة بالماء والصابون، مستغلات خروج معظم الحضور للفناء أمام الباب. علمت من شامة أن الميمة تستعد للالتحاق بالحفل، فهي التي تسبقها علامات التطهير وإعادة ترتيب الصالة بعد الفوضى التي تصيبها جراء وصول الجواد الآخرين... التحق أعضاء الفرقة الموسيقية بأماكنهم، وعاد الحضور أيضا إلى الصالة...

استأنفت الفرقة الموسيقية عزفها، خيم صمت على الصالة، شامة تنظر صوب باب الحمام في ترقب غريب، لم تترقب باب المخدع في المرات السابقة حين كانت تخرج منه لالة فاطمة رفقة ملوك الجن الآخرين، متوثبة مثل لبؤة تنتظر فرصة الانقضاض على فريستها، لا تشاركني الحديث ولا تستمع لربيعة التي تسألها، عيناها مثبتتان على باب الحمام، وإيقاع الموسيقى يرتفع تدريجيا، وفجأة فتح الباب الذي يستقطب تركيز الحضور جميعهم...

لم تخرج فاطمة للتو من الحمام، كانت تفترش أرضيته جلوسا، ترتدي لباسا أسود مرصعا بودع البحر، وعلى صدرها نفس القلادة التي كانت تحملها حين كان شمهروش حالا بجسدها، وخادمتها تسكب خليطا دافئا من ماء وحناء من على رأسها إلى أخمص قدميها، كان رأسها عاري، لكنه أسود مثل الليل، اختفت الخصلات الشقراء التي رأيتها في أول زيارتي لها رفقة شامة... ساعدتها خادمتها في الوقوف، وخرجت من باب الحمام، لتسارع عدة نسوة تجمع في علب بلاستيكية أعددنها خصيصا لهذه المناسبة، ما بقي على بلاط الأرض من خليط الماء والحناء...كانت لالة فاطمة تداري تعبها باعتمادها مشيا بطيئا، تفرد ساقيها بعيدين عن بعضهما، وتقوس ظهرها في محاكاة مشي العبيد وهم مقيدون بسلاسل تربط فيها كرات حديدية ثقيلة، النساء يصرخن عاليا، يهتفن بحياة الميمة، لالة عيشة السودانية، صاحبة المرجة، وخليلة العالم الصوفي وصاحب البركات سيدي علي بنحمدوش، الذي حصل عليها كهدية من أحد الأشراف القادمين من بلاد السينغال، علمها القراءة والكتابة، وعلمها أمور الدين وعلم الأفلاك، ومكنها من الحكمة والبركة، وهو ما برعت فيه لدرجة امتلاك أسباب الخلود والتحكم في ملوك الجن وفي ملك ملوكهم سيدي شمهروش...لا تلج الميمة الحلبة الواقعة بين المنبر والفرقة الموسيقية، بل تتجه صوب اليمين، تطوف على الأرائك حيث يجلس أبناؤها، رواد الزاوية الذين حضروا الليلة خصيصا كي يحتفلوا بملوك الجن ، ولكن أيضا كي يحتفلوا بها، كي تمنحهم بركتها وسرها... توقفت طويلا عند عبد الكبير، وضعت يدها على صدره جهة القلب، وقرأت آية الكرسي، وسورة المزمل، حين انتهت، وقف وقبل رأسها، وشوشت كلمات في أذنه، وتركته في اتجاه الحاضرين الآخرين، عاود الجلوس مرة أخرى على الأريكة، أمسك جرائده بيده وهو يبتسم، كان الفرح والحبور باديين على وجهه... الموسيقى تصدح بإيقاعات فيها الكثير من الحزن والشجن، أغنية لالة عيشة الكناوية بكلمات غير مفهومة ومغايرة، تتقدم لالة فاطمة أو الميمة فهما سيان، نحو ربيعة، النوم يغالب عينيها، لكنها تستجمع قواها لتنحني مقبلة قدمي الميمة، تمسكها من كتفيها لتمنعها، وتضع كفها على رأسها، تتمتم بكلام غير مفهوم، ثم تتبعه بدعوات الملوك كي يسندوا عضدها ويحققوا آمالها...

لم تلتفت الميمة لشامة، ولا لشخصي ونحن جالسان بالقرب من ربيعة، بل قفلت عائدة إلى الحلبة، حيث الفرقة الموسيقية، كما أن شامة لم تنزعج لهذه اللامبالاة... الموسيقى صاخبة، ونساء يرقصن بعنف، شعورهن مبعثرة بفعل الجذبة التي تملكتهن، تسقط الأولى مغمى عليها، تسكب عليها الميمة دلوا مليئا بخليط من الحناء والماء، تستيقظ مختنقة وهي تصيح: ها عار الميمة، ها عار الجواد... ثم تعود لغيبوبتها... يتوالى سقوط النساء الراقصات، وتتوالى عملية رشهن بالماء والحناء، اللواتي يدخلن في غيبوبة طويلة ينقلن للغرفة المجاورة، ترشهن الخادمات بالماء والعطور، أو يضعن قطع البصل في أفواههن...

تصل الميمة للحلبة، تدور حولها دورتين، بينما الخادمة تفرش لها الأرض بسجاد أحمر منسوج من الصوف، الفرقة الموسيقية ترفع من إيقاع العزف، تجلس الميمة على السجاد الذي أعدته الخادمة، وهي تلوح برأسها يمينا وشمالا، في تناغم مع الأهازيج ... سحبتني شامة من يدي، ووقفنا على مشارف الحلبة، كما وقفت بجانبنا ربيعة وبعض النساء... بإشارة من يدها، توقفت الفرقة عن العزف، لترتمي النساء قرفصاء أمام الميمة وهن يمددن أوراقا مالية طالبات قراءتها لطالعهن...

نظرت إليهن الميمة بغضب، وصاحت في وجوههن:

- أنتن تعرفن العادة في الزاوية، الطالع يقرأ أولا لأصحاب الحفل، وعليكن أن تفسحن المجال لشامة وأقربائها، ثم يأتي دوركن من بعد...

كانت تعني بأقرباء شامة، أنا وربيعة، لا غير...

جلست شامة بدورها القرفصاء أمام الميمة، أمسكت كفها، فأحست ببرودة غير عادية تلامسها، سألتها إن كانت تحس بألم ما، لكنها لم تجبها...

ماتت شامة، وكفها بين يدي الميمة، دون أن تعرف طالعها. 

تعليقات