الفصل الخامس:
صعدت السيارة بجوار شامة، شمس
الصبيحة ترسم خطوطا بلورية على الزجاج الواقي الأمامي، تنعكس بدورها على وجهها،
فيزيدها سحرا وغموضا، لم تكن ترتدي ملابسها العادية، لا بنطلون جينز، ولا القميص
المزركش الذي تهمل أزراره الأولى، فينكشف نحر ممتلئ يحضن إجاصتين أشعر بصراخهما
كلما انتبهت لهما... تنتبه لي بنظرة من زاوية العين، بشكل ماكر ولذيذ، أزيح نظري،
فينفرج فمها عن ابتسامة غاوية... كانت ترتدي جلبابا مطرزا بالكثير من الألوان،
وتغطي شعرها برداء أسود معقود بشكل غريب فوق الرأس، تضع على وجهها مساحيق كثيفة،
ورموش عينيها مشذبة بعناية، تزيد مساحة مقلتيها الجميلتين، لكنهما متوحشتان في هذا
الصباح...
-
يجب أن نلبس مثل الميمة، بادرتني بالحديث، وكأنها تجيب
على سؤال الدهشة التي داهمتي، فهي امرأة بسيطة، لكنها ببركتها، ومن أجل بركتها يجب
أن نتماهى معها في لباسها من جهة، ومن جهة أخرى اللباس العصري يوحي بنوع من التفوق
الاجتماعي عليها، خاصة على المستوى الدراسي، فهي إنسانة أمية..
-
أكيد يجب أن تكون أمية، فهذه صفة من صفات الرسول، بما
أنها تمتح بركتها من الله ومن رسوله...
-
قلت لك لا تمزح في هذه الأمور، لا أريدك أن تتعرض لشر،
ولا أن تعرضني معك لشر، سنزور الميمة في بيتها بعد قليل، وستغير رأيك فيها...
مسحة فرح على وجه شامة، شكل من الحبور أو شكل من
الانتصار، ضد شيء مجهول لا أعرفه، أو ضد تجربة لا تريد أن تقتسمها معي. بين الفينة
والأخرى، تصدر تنهيدة عميقة، كأنها تقتلع آخر جذور حزن ما، أو كأنها تربت على وجع
تمشي به لمقصلته الأخيرة. أمسك كفها المرتاحة على مبدل السرعة، فأشعر بنبض قلبها
بين ثنايا أناملي، أضغط برفق، ثم أترك لها فرصة تبديل السرعة، كي أعود لذات الضغط،
والإحساس بذات النبض...
في دواخلي حروب كبيرة، جلبة وصراخ ، صوت الانهيارات
الكبيرة، وأنين الجثث تحت الأنقاض، لماذا أتبع شامة فيما هي ذاهبة إليه؟ هل حقا
وحدها الرغبة في اجتياز هذه العقبة التافهة التي وضعتها كشرط لزواجنا، ما يقودني
لمهادنتها ومرافقتها لرؤية هذا المجهول المسمى "ميمة"؟ أم أن هناك ما يدفعني للاعتقاد بإمكانية وقوفها
على حقيقة ما؟ وأن ما كنت اعتقده من عقلانية ومنطق ونبذ للخرافة والشعوذة شكل من
انزياحي أنا عن الحقيقة؟
يولد في دواخلنا خوف من المجهول، ذات الخوف الذي أسس
لمعتقدات الإنسان البدائي، حين خاف من النار فعبدها، ورُعِب من المطر والعواصف
فقدسها، وحين أدرك ملكة العقل، وما يمكنها إنجازه في تحليل وفهم الظواهر، بحث له
عن رب مجرد، يستطيع أن يكون خالقا لهذا الكون، بالجمال الذي يحويه، وبالقبح الذي
يرعبه، ثم ما لبث أن حفر العقل أخدوده في صخر المعرفة، ليكتشف قوانين الطبيعة
الفيزيائية والاجتماعية، وليجد تفسيرات كثيرة لظواهر أرعبته فيما مضى، وأخرى منحته
سعادة لم يجد لها تفسيرا...
ظلت في مناطق مظلمة من وعيه أمور أخرى لم يجد لها
تفسيرا، فأناطها بقوى خارقة للعادة، تستطيع جلب السعادة له، ودفع المكروه عنه،
تشتغل في الخفاء، لا أجساد لها غير ما تتقمصه من أجساد بعض البشر، أو الشجر
والحجر، وربما تأخذ شكل بركة ماء صافية أو آسنة، وشكل خيال غير مرئي لروح قادمة من
تجويف التاريخ البعيد...
لم يستطع العقل أن ينير هذه العتمات، رغم جهود التعلم
واكتساب المعارف العلمية، ورغم الفتوحات التكنولوجية والحقائق العلمية التي توصل
إليها، بل الأدهى من هذا أن التعليم، وخاصة في بلد مثل وطننا، لم يستطع أن يشكل
عقلا جماعيا يحتكم لنتائج العلم والمنطق، بل زاوج، في عبثية مثيرة، بين أسلوب حياة
متقدم وحداثي ونمط تفكير وسلوكات نفسية واجتماعية مرتهنة للخرافة والممارسات
الغيبية والكثير من الدين والشعوذة...
كانت شامة نتيجة لهذا النمط من التعليم، لم تكن تجد حرجا
في دخول غمار سجال علمي وتقني في مجال تخصصها، أو في مجالات أخرى تستهويها، تنبهر
لنتائج الاستنساخ التي توصل إليها فريق البحث البيولوجي في الدول الغربية، تغريها
آخر صيحات التكنولوجيا في الهواتف النقالة والحواسيب المحمولة، تحب ركوب السيارات
الفارهة والمشبعة بالتخصصات التكنولوجية المتقدمة، لكنها في ذات الوقت، تقرأ آية
قرآناً وهي تلج مدرج الكلية حيث تلقي محاضرتها، وتعلق كومة صوف على مقود سيارة
جديدة اقتنتها، كما تعلق دعاء السفر، وبعض أحجار الودع البحري، أمام الزجاج الواقي
الأمامي لذات السيارة، وتؤمن ببركات الميمة التي نتوجه صوب منزلها...
الأزقة تضيق شيئا فشيئا، ينسحب الإسفلت ليترك
فسحة للأتربة والغبار، حي هامشي نبت في غفلة عن مخططات التعمير والبناء، جدران غير
مبلطة، وأبواب حديدية يكتسحها الصدأ والأوساخ، أطفال شبه عراة يلعبون ألعابا
بدائية... توقفت شامة بسيارتها أمام إحدى الأبواب التي لا تختلف كثيرا عن الأبواب
الأخرى، لكن تركن أمامه سيارة مرسيدس بنية فارهة...
- الميمة تنتظرنا،
سيارتها هنا...
- أليس منزلها هذا؟
عادي أن تكون سيارتها هنا...
- نعم، لكن عادة لا
تكون بالمنزل، لها مصالح عديدة تقضيها طيلة النهار، ولا تدخل منزلها سوى مساء، حين
تغيب الشمس، كونها هنا الآن، يعني أنها تنتظرنا.
كانت شامة منشرحة لانتظار الميمة لها، نوع من الزهو
والافتخار للمكانة التي تفردها لها... عدلت من هندامها، وراقبت هندامي، تم ضغطت
على جرس الباب، هنيهة وانفتح من طرف فتاة صغيرة لا يتجاوز عمرها عشر سنوات، ارتمت بعفوية في أحضان شامة تقبلها، بما يشي
بعلاقة متينة بينها وبين الطفلة... سألتها عن الميمة، فأخبرتها أنها في خلوتها
بالزاوية تنتظرنا...
لم يكن المنزل يشبه الحارة التي ينتمي إليها، أرضية
مكسية برخام مستورد رفيع يكتسح جزءً مهما من جدران المنزل بأكمله في تعبير عن ذوق
بدوي، ذات الجدران مطلية بدهان برتقالي يعانق سقوفاً مكسية بدورها بصفائح جبص
تتوسطها ثريات من الكريسطال براقة ومضيئة رغم أن الليل لم يخيم بعد. نفس البذخ
ونفس الذوق البدوي يظهر على أفرشة الغرف، في الصالون المقابل لباب المنزل، وفي ما
يظهر من فراش الغرف الأخرى...
في ركن منزو بالمنزل، غرفة صغيرة تنبعث منها رائحة
البخور، على بابها الذي نزعت دفته الخشبية، ستار من الثوب أسود شفاف... اقتربت
شامة منه، ونزعت حذاءها، كما أمرتني أن أفعل نفس الشيء، ثم دلفنا للغرفة ونحن
منحنيين..
في
قعر الغرفة، تحت نافذتها المطلة على الشارع، جلست "الميمة"، امرأة في
عقدها الرابع، لا تظهر تفاصيل جسدها بفعل البدانة التي تسمها، ترتدي فستانا أسود
داكناً، مرصعا بالكثير من ودع البحر الذي اتسخ بياضه ليتماهى قليلا مع لون فستانها
ومنديل شعرها الذي يغطي شعر رأسها إلا من خصلات قليلة تظهر فيها صباغة شعر شقراء،
بيديها تمسك سبحة من كويرات بيضاء عاجية، وشفتاها يتلوان كلاماً مبهماً وسريعاً ...
أشارت
لنا بيديها كي نجلس على سجاد في الأرض قبالتها، وهي لا تزال تتلو كلامها المبهم،
وتنظر إلي متفحصة ملامح وجهي ، صفقت بيديها، لتلج الغرفة خادمة صغيرة لا تلبث أن
غادرتها بعدما تلقت منها إشارات بعينيها وأصابعها، ثم تعود ثانية وبيديها صينية
عليها كأسان من الحليب وصحن صغير من التمر الجيد وضعته أمامنا، وهي ترحب بنا بصوت
خفيض في زاوية الشريفة الميمة...
- مرحبا بك، كنت أعرف
أنك ستعود إلى الزاوية، أنت ابني، وأبناؤنا لا يتيهون كثيرا حتى يجدوا من يدلهم
على طريق بيتهم، وأنت صادفت في طريقك شامة، وهي بدورها ابنتي، عتبتها مملوءة
بالخير الوفير وأنت ستكون ذا شأن عظيم لأنك سترتبط بها، عليك فقط أن تكون نيتك
حسنة وتعتني جيدا بالزاوية وأهلها....
كانت
شامة قد نبهتني لهذا الترحيب، وفي ذات الوقت علمتني جملا يجب علي أن أرد بها على
الميمة كي يكتمل رضاها عني..
- أنا خديمكم أيتها
الشريفة "بنت الجواد"، وسأعمل ما في وسعي كي ترضي عني ويرضى عني خدامك
"الجواد".
انفرجت
أساريرها وأنا أتلو عليها الرد المفحم الذي لقنتني إياه شامة...
- عليك الآن أن تسعد
ابنتي شامة، أجابت ثم توجهت نحو هذه الأخيرة، تكلمها، منذ أشهر وأنت تتوسلينني كي
أجد لك عريسا يؤنس وحدتك، وينسيك تجربتك المريرة رفقة حسن النجار، وها أنا أفي لك
بوعدي، وأختار لك خير أبنائي الذين كانوا تائهين في هذه الدنيا الفانية، قلت لك إنه
سيكون من أبناء "الجواد"، سيحبك لأنه يحب الزاوية، عليك أن تعتني به
وتلبي طلباته بما يسعده، وعليك أيضا أن تفي بالنذر الذي قطعته على نفسك، خاصة أن الشهر
القمري على وشك الانتصاف، وأنت تعلمين دلالة اكتمال البدر عند سيدي ميمون، وسيدي
شمهروش...
- أنا جاهزة، ردت شامة،
ممتنة لك بكل ما فعلته من أجلي، وفخورة بالمكانة التي أحتلها في قلب امرأة ببركاتك
وكراماتك، سأعود غدا لأرتب أمور الوفاء بالنذر مع خدام الزاوية، وسأعمل ما في وسعي
كي أكون عند حسن ظنك وحسن ظن "الجواد".
-أنت
بدورك مدعو لمساعدتها على الوفاء بنذرها، حين كانت تفعل ذلك، فباسمكما الاثنين،
أنتما منذوران لبعضكما منذ ولادتكما، وما عانيتماه سابقا لم يكن سوى امتحان لكما
كي تقدرا بعضكما، وتساعدا بعضكما ولا تتركا بعضكما ما دمتما حيين... اشربا حليب
الزاوية ليحفظكما من الشرور،انصرفا الآن، فلي موعد مع "الجواد"، لتدارس
تفاصيل النذر الذي ستنفذاه قريبا...
خرجنا
من الغرفة، بعد أن قبلت شامة قدمي الميمة المنتفختين. في فناء المنزل الخادمة التي
جلبت صينية الحليب والتمر، وتلك التي فتحت لنا باب المنزل، وامرأة عجوز حضنت شامة
وهي تبارك لها زفافها الذي لم يتم بعد، بينما الخادمتان أطلقتا زغرودة مدوية،
نفحتهما على إثرها شامة بالقليل من المال، وخرجنا من المنزل صوب السيارة...
حين
امتطينا السيارة، كان الفرح يسبح على محيا شامة، عينان بعسل الحبور، وثغر باسم
يسبح بكل الحسن والغواية اللذين غمراها لحظتها، بنظرة ذكاء ثاقبة، لمحت آثار
الحيرة بادية على وجهي، ودون أن تترك لي فرصة السؤال، بادرتني:
- لا تكترث، أنت تتساءل
عن طبيعة النذر الذي قطعته على نفسي، والذي ورطتك الميمة في مساعدتي على تنفيذه،
هي دائما تراعي قدرات أبنائها، وطريقة إشراكك نوع من الرضا الذي نلته مسبقا، حتى
قبل أن تنخرط في مسارب الزاوية ودروبها، لأنها تعرفك منذ زمن كما قالت لي، ربما
منذ ولادتك...
- لكن ما هو النذر؟ كما
أنني قريب منها في السن، فكيف تعرفني منذ ولادتي؟
النذر ببساطة هو التكفل بمصاريف ليلة الجواد، التي تقيمها الميمة على شرفهم، والتي يحضرها الكثير من أبنائها، ويحضرها كذلك "الجواد"، الذين يعملون على مساعدة رواد الزاوية في تحقيق مطالبهم... أما كونها تعرفك قبل ولادتك، فلا تنس أن من كان يكلمنا ليست فاطمة،السيدة صاحبت الجسد الثخين التي كانت تجلس أمامنا، التي كانت تكلمنا هي الميمة، سنها أكثر من أربعمائة سنة، ولدت في السودان، وجلبها تجار العبيد الذين باعوها لسيدي علي بن حمدوش، دفين ضواحي مكناس، هذا الأخير أحبها، تزوجها ومنحها بركاته وكراماته، ومن بينها كونها تخلد في الحياة ما شاء لها الله الخلود، وتبعث في جسد من تشاء، شريطة أن يكن طاهرات وصالحات، وفاطمة رغم جمالها وشبابها، ورغم كونها لم تتزوج إلى يومنا هذا، فهي مشهود لها بالاستقامة والاتزان...
الفصل السادس:
بإمكاني اللحظة أن اصرخ بوجه
شامة، أن أعلن رفضي للسير في هذا الممر الذي حشرتنا فيه، أن أستل العقل من غمده،
وأشرعه في وجه كل هذا التخلف الذي سربلت به تشابكنا الجميل، أن أهمس في عمق
انتباهها، أنها تشعل مصابيح الحياة في كينونتي، لأنني أراها جميلة، لأن ضحكتها
تراقص صبايا في شرايين دمي، فتفجر رعشات تحملني نحو إنسانيتي التي هجرتني عند
توالي منعرجات الخيبة والإحباط، وأعلن أنني متشبث بالارتباط بها أكثر من أي وقت
مضى، لأنها سلمٌ نحو الرأس الذي كنته، قبل أن أتحول إلى قدمين، على حد تصريح
والدتي، وأنني رفقتها، سأبني هذا الوهم الذي يسمى "صورةً" اجتماعية تعوض
ما تكسر في تاريخي الموبوء من أحلام نمطية في تسلق مراتب ودرجات تنتهي حتما بتقاعد
مريح، وأبناء وأحفاد يلوكون سيرة والدهم وجدهم بالكثير من الرتابة ...
شيء يمنعني من هذا الاحتجاج، رغبة
في معرفة عالم الميمة والسيدة فاطمة التي تديره، اكتشاف عالم يمتزج فيه الروحاني
بالهدف الواضح في جمع المال واستغلال سذاجة المريدين، محاولة الوقوف على تناقضاته،
التي ربما ستسعفني في تكوين مرافعتي وأنا أحاول سحب شامة من هذه البركة الآسنة، أو
لعله فقط هذا الحب الأعمى الذي يمنعك من الاعتراض على ما يرغب فيه المحبوب، شكل من
الانقياد والاستلاب لرغبات شامة، التي أشعر بأنها تنبع من صدق أعماقها، ما دامت
الأمور تسير كيفما أريد، وما دامت الميمة تزكي ارتباطنا، بل وتجعل من شخصي ابن
الزاوية الضال، الذي عاد إلى كنفها عبر حضن شامة، فلما لا أسير في هذا السرداب،
الذي سيقودني إلى تشابك أبدي مع امرأة أحببتها؟
ما يمنعني أيضا، خوف مجهول من هذا
العالم، ينجذب الإنسان عادة للمجهول الذي لا يعرف كنهه، ينجذب له خوفا كي يبني شكل
دفاعه لحظة المباغتة، وينجذب له حين لا يكون مسلحا بما يكفي كي يصد اعتداء هذا
المجهول، وهو يقدر قوته، يرغب الإنسان في مصالحة عدوِ لا يستطيع هزمه، أو على
الأقل لا يعرف مقدار قوته إزاءه... حين أختلي بنفسي، تقفز في مخيلتي صورة السيدة
فاطمة وهي بكل تلك الثقة في النفس، وهي تخاطب بازدراء شامة، الأستاذة الجامعية،
المرجعية العالمية في الهندسة المالية، وخبيرة المنظمات الدولية في رسم السياسات
المالية العمومية، تنهرها لأنها لم تجلب علبة حليب سيدي ميمون حين وعدته بذلك ذات
حلم، أو وهي تشرح لي كيف أنني ابن هذه الزاوية المنزوية في وسخ هذا الحي الشعبي،
وأن عودتي لا علاقة لها برغبتي بالارتباط بشامة، ولا كوني أسايرها فيما تريد عن حب
وهيام، ولكن قدري ومشيئة الميمة هي ما عجلت بعودتي، وأنني لن أستطيع مبارحة
الزاوية منذ هذا اليوم، لأنني سأكتشف نعيم الانتماء إليها، وما سيحل بي من رفاهية
وعيش كريم بعد انخراطي في خدمتها...
هل وضعت الميمة يدها على جرحي؟ هل
اكتشفت أنني مهووس بالرغبة الملحة في ترميم ندوبي وجروحي الاجتماعية، ومدت صنارة
العيش الرغد في وجهي كي تقنعني بمنطقها؟ أم أنها فقط رتبت تواجدي بما يخدم وعودا
قدمتها لها شامة ذات يوم، وكنت الطعم الذي أوغل الصنارة في حنجرة هذه الأخيرة، كي
تمعن في ابتزازها، في استنزاف مواردها المالية...؟
بدأت شامة ترتب نفسها لتنفيذ
النذر، سحبت مدخراتها من حسابها البنكي، واستعادت بعض ما أقرضته لأخيها وبعض أفراد
عائلتها، كما لم يفتها أن تذكرني بأن الميمة طلبت مني مشاركتها في تنفيذ النذر،
وبأنني أبديت موافقتي على ذلك، لأنه نذرنا معا، رغم أنها هي التي قطعته على نفسها،
ولم أكن ساعتها موجودا رفقتها، لكن الميمة تصر على أنني متواجد في كل إشارات الخير
التي ترصد في زاويتها، وتؤكد أكثر أن النذر الذي قطعته شامة على نفسها كان أساسا
نذراً يخصني، وأنني ملزم بتنفيذه وحدي، من باب قوامة الذكورة، لكنها رأفت بحالي
وأشركت شامة في ذلك، لأنها ربما تعرف طقوس تنظيم ليالي الجذبة وحفلات الجواد أكثر
مني...
تم الاتفاق على تنظيم حفل الجواد
في ليلة الخميس، حيث سيكون البدر في اكتماله وإضاءته، وهي ليلة يكون فيها الأسياد
في كامل تأهبهم للاحتفال، كما أنه يوم انعقاد السوق الأسبوعي في مدينة سلا.
ولطرافة الأمر، أخبرتني شامة بأن الميمة تفضل ابتياع الأضاحي المستعملة في حفلات
الجواد من هذا السوق بالذات، وهي ليست رغبة ذاتية صرفة، بل أمر أحد الجواد، الذي
يمتنع عن حضور الليالي المنظمة حين يعلم أن الأضحية التي نحرت ليلتها مجلوبة من
سوق آخر غير السوق الأسبوعي لمدينة سلا... خمنت أن هذا الجني، قد يكون خادما لدى
أحد تجار الأبقار في هذا السوق، وأن هناك تعاقداً تجارياً بينهما كي يفرض على
زبنائه التزود من سلعته...
تبدأ الليلة من طقوس شراء زوج
الأبقار اللذين سينحران ليلتها وهو طقس تحضره الميمة، مشخصة في جسد السيدة فاطمة،
بنفسها، ترتدي عباءتها السوداء الخليجية، وتحزم رأسها بمنديل أسود بدوره، لكنه
يكشف عن الخصلات الشقراء المرتبة بعناية أكثر من المرة السابقة حين استقبلتنا في
الزاوية، تمسك هاتفها النقال بيدها اليمنى، وتتأبط ذراع حميد، المفروض فيه أنه
سائق سيارتها فقط، لأنها حسب تصريح شامة، هي امرأة غير متزوجة، وأكثر من ذلك هي
امرأة صالحة وطاهرة...
تعاين الأضاحي بمهارة مربية
أبقار، تكشف عن عينيها، تفتح فكيها لتعبث بلسانها، تمسك مؤخر ذيلها، تم تشرع في
طرح الأسئلة على صاحبها، دون أن تنسى تذكيره بأن الأضحية إن تم الاتفاق بشأنها،
سيصيبه خير وفير لأنها ستستعمل في إرضاء الجواد، وهذا سبب كاف يلزمه بتخفيض سعر
البهيمة، لأنه دون ذلك قد يصبح مستهدفا من طرف هؤلاء الأسياد، وحتما سيحصل له
مكروه إن عاجلا أو آجلا...
كان الكثير من باعة الأبقار
يعرفون الميمة، وكان بعضهم يتودد لها ويرغب في أن تقتني ما يعرضه في السوق، وهو ما
سهل بشكل كبير عملية الاقتناء، وبسعر لا بأس به، حتى أن المحظوظ الذي كانت العجلة
المعروضة من طرفه من نصيبنا، ظل يردد في كل لحظة بأنه محرج من الميمة ومن الجواد
لأنه يقبض ثمن عجلته، وأن الحاجة فقط هي من تضطره لذلك، ولو قيض له أن يكون في
بحبوحة من العيش لتبرع لهم بها ليكسب رضاهم وعطفهم...
الميمة وهي تأمرنا بأداء السعر
المتفق عليه بينها وبين صاحب العجلة، تردد على مسامعنا أن الجواد اختاروا هذا البائع
لأنه من أبناء الزاوية بدوره، ولأنه يعيش مشكلة في أسرته الصغيرة، سيكتشف أنه قد
حُلَّ، لحظة عودته من السوق، وتطلب منه بعد تأكده من انتفاء المشكل، أن يزورها
ليحضر الليلة التي نقوم نحن بتمويلها، كي يشكر الجواد الذين سيحضرون ويمكنه بعد
ذلك إهداءهم ما يشاء مقابل خدمتهم لهم....
كان سيناريو ابتياع العجل الذكر
مشابهاً في كثير من تفاصيله لما سبق فيما يخص العجلة الأنثى، مع فارق بسيط أن
البائع كان مسكونا بجني أسود كافر، هو الذي منعه من تخفيض ثمن العجل وفرض عليه تشبثه
بالسعر الذي حدده، خاصة حين علم أن سيدي شمهروش، الذي حضر لحظة التفاوض حول السعر،
أعجب به وأمر الميمة أن لا تتخلى عنه مهما كلف ذلك من مال...
دفعنا سعر العجل الذكر صاغرين،
والميمة تتوعد الجني الكافر الأسود بأوخم العواقب، بينما البائع يعد الأوراق
المالية وهو يتمتم بكلمات لم أفهم منها سوى "رب الفلق"، وبعض الأدعية
التي استعملها ربما لاتقاء شر محتمل ستسلطه عليه الميمة رفقة كتيبتها من الجن
المسلم..
لم يكن حضور مراسيم ذبح الأضاحي
بالضروري، فقد طلبت منا الميمة الذهاب للاستحمام مع ضرورة استعمال سائل أعدته من
خليط أعشاب وتوابل لم أتبين أنواعها،سلمته
سابقا لشامة، على أن تقتسم معي القنينة فيما بعد، كما شددت على ضرورة
ارتداء غيارات داخلية جديدة، لم يتم استعمالها من قبل، وألحت على شامة أن تعتني
بزينتها ولا مانع في الاستعانة بحلاقها، على أن لا تتأخر في المساء عند موعد بداية
الحفلة...
اختفى شعور المقاومة الذي كان
ينتابني كلما طلب مني القيام بطقس لا يتقبله عقلي بسهولة، وأصبحت سهل الانقياد،
أنفذ كل ما تطلبه الميمة مني على لسان شامة، فهي لم تكن توجه أوامرها لي، بل تكتفي
بإصدارها لشامة، على أن تتكلف هذه الأخيرة بذلك، في الزمان والمكان المناسبين، بل
أصبحت عندي رغبة في ممارسة تلك الطقوس بحسن نية مفاجئة انتابتني، وبخشوع غير مبرر
ليس إظهارا لصفاء طويتي تجاه شامة فقط، وهو أمر كنت أتعمده، ولكن طلبا ربما لنتائج
إيجابية ومرضية، إذا علمت الميمة، بوسائلها الخاصة، بأن نيتي حسنة، وأن خشوعي خالص
لوجه أسيادنا الجواد، أصحاب البركات والخير الذي ينتظرني...
في نفس ركن المقهى الذي التقينا
فيه سابقا، وعلى ذات الطاولة، جلسنا متعبين وفرحين، بعد الانتهاء من مهمة شراء
الأضاحي، وتسليمها لأحد أبناء الزاوية من معارف الميمة، الذي تكفل بنقلهما إلى
منزلها على متن سيارة نقل بضائع يملكها، وبعد أن رفض تسلم مقابل خدمته هذه، شريطة
السماح له بحضور حفل الجواد، ليبسط على ملوك الجان مشكلته مع زوجته، والذي لم تسمح له الميمة بذلك
قبل استشارة شامة، التي تبقى في لأخير هي صاحبة الحفل، ولها في بعض الحالات، حق
قبول أو رفض أحد المدعوين..
-
علينا احتساء مشروباتنا بسرعة، فالوقت يزاحمنا،الاستحمام
والتوجه للحلاق سيأخذ مني وقتا طويلا، وأنا مرتبكة ولا أدري كيف ستستقبلني
الميمة...
-
لكن الميمة راضية عنك، لقد كانت منشرحة هذا الصباح وهي
تشتري الأضاحي، ولم يصدر عنها ما يمكن أن يصيبك بهذا التوجس...
- لن تفهم الآن، عليك الذهاب بدورك إلى الحمام، ولا تنس السائل الذي أعطيته لك، ولا اقتناء الغيارات الجديدة... سأهاتفك حال انتهائي من الحلاق كي نذهب سويا...
الفصل السابع:
شامة امرأة أخرى، عينان عسليتان
تحرسهما رموش مشذبة بعناية فائقة، خداها بحمرة طبيعية فضحها بشكل جلي أثر الحمام،
وعطرها الفرنسي يصارع رائحة الصندل العبقة التي تغمر مقصورة السيارة، كانت تضع
قطعة من هذا العود في المكبس المخصص لولاعة السجائر، فيشتغل كمبخرة... صعدت إلى
جانبها في السيارة، وانطلقت بسرعة جنونية.
-
يبدو أننا تأخرنا، لا نريد أن تنزعج الميمة لذلك...
-
لكن الساعة السابعة لم تحن بعد، ولا أعتقد أننا متأخران..
استنتجت أن شامة مضطربة، تحاول
مداراة ذلك بافتعال أحاديث جانبية، وبعض الخصومات مع سائقين آخرين، ومستعجلة
الوصول إلى منزل الميمة، كأنها لا تريد لتفصيل صغير من الليلة أن يمر دون حضورها،
أو كأنها تريد ترتيب تفاصيل هذه الليلة بالشكل الذي يخدم هدفها، إرضاء الجواد من
جهة وإيقاعي في حبال الارتباط بها من جهة أخرى...
نفس الحي الذي قصدناه حيث المنزل
الزاوية، ظلمة كثيفة بسبب انعدام الإنارة العمومية، حفر وأتربة ترغم السيارة على
التباطؤ في السير، نوافذ المنازل مضيئة بكآبة تشي بفقر ساكنتها، وأطفال قليلون
يجلسون على عتبات أبواب المنازل رفقة أمهاتهم، ورجال يتكئون على الجدران، في سمر
تتخلله سجائر وقنينات خمر حمراء رخيصة...
عند منتهى الزقاق، حيث يوجد منزل
الميمة، تربض سيارات عديدة، أحجام مختلفة وموديلات متنوعة، بين الفاخرة والمتوسطة
والرديئة، علامة تحسر وشبه غضب ترتسم على محيا شامة، تركن سيارتها خلف سيارات
الآخرين، وتتمتم:
-
تأخرنا، أتمنى أن لا يكون الحفل قد بدأ...
لم أجبها، كنت جاهزا حين وصولها،
ولست مسؤولا عن تأخر ما، ثم إنني أعتقد أن الميمة لن ترتكب عثرة بدء الحفل قبل
مجيء أصحابه... في كل خطوة نقترب بها من المنزل، تزداد حدة الجلبة والضوضاء،
موسيقى ركيكة تنبعث من الطابق العلوي، وأطفال كثر يمرحون في المطبخ الموجود في
الطابق السفلي. عند وصولنا للباب، صدرت زغرودة مدوية من الغرفة المجاورة له،
تبعتها أهازيج الصلاة على النبي...
-
الميمة تنتظركما في الزاوية، لا تصعدا للطابق العلوي قبل
رؤيتها... بادرتها المرأة المسنة التي أطلقت الزغرودة لدى وصولنا والتي هي ذاتها
المرأة التي زغردت عند خروجنا من لقاء الميمة في زيارتي الأولى لها...
كانت الميمة تريد الاطمئنان على
زينة شامة، وعلى مدى التزامنا بتعليماتها، من استحمام واغتسال بالسائل الذي منحتنا
إياه، حرصت كذلك على استخلاص مبلغ من المال كان ما زال بذمة شامة، من مجموع
التكاليف المفترضة للحفل، كما زودتها ببعض النصائح الخاصة بالتكتم على هوية
العريس، الذي هو شخصي، وأخبرتها بأسماء الحاضرات والحاضرين، ونوعية مشاكل بعضهن
مبدية تذمرها من حضور إحدى النساء من اللواتي لا يفن بوعودهن تجاه الجواد، ثم
أمرتنا أن نصعد إلى لطابق العلوي حيث مسرح الحفل...
الطابق العلوي رقعة واحدة بمساحة
المنزل كله، شكل من الصالات المغربية التقليدية، غير مجزءة ، تحيط بها أريكات تشبه
الأسرة، تكسيها لحافات من ثوب رفيع، وعلى جنباتها وسائد مكتنزة ومطرزة بزخارف
مغربية أصيلة، منسجمة والذوق البدوي الذي يميز منزل الميمة. تتوسط القاعة طاولات
دائرية من الخشب الرفيع، وفي زاوية الأرائك، طاولات صغيرة من نفس الخشب، تخصص عادة
لوضع كؤوس الشاي وصحون الحلوى في الحفلات العائلية. في قاع المساحة التي تشكل
صالة، هناك حمام شاسع، به رشاش وحيد وثقب يستعمل كفوهة مجرى للمياه العادمة، لا
صنبور ولا مرآة، وهو في الغالب ممنوع على الحضور، لا تلجه سوى الميمة، إذ على الآخرين الصعود إلى
سطح المنزل أو النزول إلى الطابق السفلي لاستعمال الحمام..
في قاع الصالة، تفترش فرقة موسيقية الأرض، قائدها رجل
عجوز لا يظهر من وجهه سوى فمه الخالي من الأسنان، وعين مفقأة تزيده بشاعة، يمسك
دفا بيده، ويلوح باليد الأخرى في حركة ضبط لإيقاعات عناصر الفرقة الآخرين، على
يمينه شاب يسمك آلة وترية، من نوع الهجهوج الذي يستعمله كناوة، وعلى شماله شابان
يعزف واحد منهما ب"قرقاب" والآخر ينفخ في الناي...
على الأرائك، يجلس عدد كبير من
الأشخاص، بشكل منفرد أو في جماعات صغيرة من شخصين إلى أربعة على أكثر تقدير،
يتبادلون أحاديث جانبية بين بعضهم، ويرمقون باب الصالة بين الفينة والأخرى
لاستبيان الوافدين الجدد. انهمكت شامة في السلام على عدد كبير من النساء في
الصالة، بما يشي بمعرفتها لهن جميعا، وأن ألفة منسوجة بينهن ، كما ألقت التحية على
رجال منزوين لوحدهم في قعر الصالة، قرب الشرفة المطلة على الزقاق...
أخذنا موقعنا بالقرب من ربيعة،
التي كانت تجلس لوحدها، أمسكت شامة بكفها، وجذبتها نحوها في عناق حار، صوت
الانتحاب يصدر من تشابكهما، لكنني لا أميز من هي صاحبته، فشامة كانت للتو منشرحة
وفرحة، وليس هناك داع كي تبكي بهذه الحرقة، وربيعة التي لم أكن أعرفها لحظتها، لا
يظهر من ملامحها ما يشي بأنها تختزن كل شلال الألم هذا الذي أنتج نحيبا يمزق
الروح...
من الطرف القصي في الصالة، تنبعث
أصوات آلات موسيقية، حشرجة وضجيج غير مرتب، نتيجة تعديل أوتارها من طرف العازفين،
أو اصطدام صفائح القرقاب بين أيدي أحد أفراد الفرقة.
علمت أنه قبل مجيئنا، غنت الفرقة
أغنية الباشا حمو، وعلى إيقاعها انتابت ربيعة حالة الشجن لتي أفضت لذلك النحيب، وقد
استشعرت شامة ذلك بدربتها وتجربتها في ردهات الزاوية، فكان لازما عليها أن تضم
ربيعة لصدرها، كي يجد ذلك الاحتقان الضخم من المشاعر، مسربا ينفلت به من بين
ضلوعها، مخافة انفجار ما أو حالة هستيرية قد تنتابها ولا يعلم أحد عواقبها...
ربيعة دكتورة متخصصة في طب
الأطفال، حصلت على شهادتها في الجامعة المغربية، واستكملت دراستها في جامعة فرنسية،
في باريس، مدينة العقلانية والأنوار، صخب الحياة والحرية والفكر، ثم عادت إلى المغرب،
حيث افتتحت عيادتها بمركز المدينة، وهي العيادة التي تعرف إقبالا كبيرا من طرف
الأمهات اللواتي يصحبن أطفالهن للتداوي من طرفها... كان وجودها هنا، في الزاوية،
وفي حضرة الميمة، منعرجا آخر في الزلزال الذي ضرب كينونتي في عمق تفكيرها،إذ لم
تعد شامة تشكل استثناء في اعتقادها بهذا الوهم الذي يضرب في العمق كل مناحي العقل
الذي من المفروض أن تتحلى به منهجا في التفكير و في تدبير حياتها، بل ها هي ربيعة،
تبصم على ما يشبه الوباء الذي يصيب خيرة أطر هذا البلد، الذين لم يأخذوا من العلم
سوى براغي تقنية يفكون بها صفائح الحياة بما يمكنهم من العيش الرغد، بينما جوهره
وتمثله في حياتهم اليومية ينعدم لفائدة سلوك بدائي، يعتقد في قدرة أشخاص أميين على
تحقيق سعادتهم بتحكمهم في قوى غيبية و بمقابل مادي غريب لا يعمل سوى على استنزاف
مواردهم المالية و تعميق مآسيهم...
كانت شامة، سببا في استقطاب ربيعة
للزاوية، حين تعارفا صدفة، أثناء مصاحبتها لأختها كنزة إلى عيادتها إثر نوبة زكام
حادة انتابت ابنتها الصغيرة، وكانت تؤدي دور السند المتعلم لأختها الأمية، كانت
ربيعة تشرح وصفة الدواء لشامة لا لكنزة، لما لمست فيها من مستوى تعليمي جيد،
انعرجت بسببه على أحاديث جانبية لا تخص كنزة ولا طفلتها، حيث ربطت معها أولى أسباب
الصداقة، تبادلا أرقام الهاتف وافترقتا...
في نفس اليوم، كلمت ربيعة شامة
على الهاتف، وباستغراب مفرح، تلقت عرض تناول العشاء الذي قدمته لها ، حيث كشفت لها
خلاله عن رغبتها في بناء صداقات مع نساء من مستواها، سنا وتعليما، سألتها ليلتها
عن أحوال ابنة أختها كنزة، وتحدثتا عن أحوالهما، عن مسارات الدراسة في فرنسا، عن
دورات التكوين التي تلقتها كل واحدة منهما في مجال تخصصها، شامة ودروب باريس
وردهات بورصة طوكيو ونيويورك، وربيعة في كبريات مستشفيات ألمانيا و روسيا ومصر،
تحدثت ربيعة عن تجربتها السياسية، التي كانت موصولة بحبها الأول، بحبها القاتل
وبحبها الأخير، كيف كان ناصر، الشاب القروي، سليل عائلة إقطاعية كبيرة في ضواحي
البيضاء، وكان يقطن نفس الحي الجامعي ويدرس بشعبة الفلسفة بكلية الآداب، يشعل كل
الجمرات التي خبت في نفسها جراء صورتها السيئة عن علاقة الرجل بالمرأة، التي
ورثتها من والدها، كيف حاربت كل المتاريس والحواجز النفسية والاجتماعية، كي تصرح
له في ذات ليلة مقمرة بحديقة الحي الجامعي عن حبها له، كيف فوجئت حد الإغماء، حين
علمت أنه كان يبادلها نفس الأحاسيس، لكنه ما استطاع البوح لها به، مخافة أن تصده،
وهي ابنة العائلة الفاسية العريقة والغنية. لم تكن عائلته أقل من عائلتها غنى، لكن
ذلك التصور النمطي حول بداوة عائلته وعراقة عائلتها منعه من التفكير في التقرب
منها. فرحا تلك الليلة كما لم يفرح طفلان، تجرأت أكثر ووضعت رأسها على كتفيه، مسد
شعرها بأصابعه، قبلها على وجنتيها وانصرفا إلى غرفتيهما...
أصبح ناصر وقودا ضروريا في حياة
ربيعة، بنى لها في عتمة الرتابة التي كانت تعيشها وطنا لم تكن تعرفه، أخذها في
جولة لدور الصفيح، ومشت رفقته على دروب تصطف على جنباتها أكواخ تفوح منها روائح
عطنة، وفي مساربها سائل أسود كالقار، خليط من ماء المراحيض والماء العادم الناتج
عن الاستعمالات المنزلية. صادفت رفقته أطفال عراة، مخاط على أنوفهم وأتربة ملتصقة
بمؤخراتهم وهم يلعبون لعبة الشرطي والسارق. في هذا الحي رأت كيف يحلم السارق
باغتيال الشرطي، بينما كانت تتذكر أن أخاها وهو يلعب هذه اللعبة، كان يصر على تقمص
دور الشرطي وقتل السارق، الذي لم يكن سوى ابن خادمتهم...
تعرفت بواسطة ناصر على عالم
السياسة، انخرطت رفقته في الحزب الذي كان ينتمي له، أعجبت بأفكاره حد التماهي
معها، قرأت منشوراته، وقرأت كتب الفلسفة التي كان يستعين بها ناصر في دراسته، قرأت
رفقته الروايات والأشعار، وانخرطت بكامل كينونتها في عالمه، وكلما تقدما في السن
وفي الدراسة، زاد ارتباطهما ببعضهما، سافرا رفقة بعضهما إلى فرنسا، حيث نال هو
دكتوراه في علم الاجتماع، وهي في طب الأطفال، ثم عادا إلى الوطن، كي يبنيا عشهما،
ويجسدا حلمهما في الارتباط الأبدي...
لم تكد تمر نصف سنة، حتى انقلبت
حياة ربيعة رأسا على عقب، اكتشفت ذات صباح وهي تعيد ترتيب ملابس ناصر في الدولاب،
علبة هدايا صغيرة، وبها خاتم صغير مرصع بحجر الماس، لم يكن الزمن عيدا لميلادها،
ولا عيدا لزواجهما، ولا علم لها بمناسبة تخص قريباته أو قريباتها... انتظرت لحين
عودته كي يحدثها عن العلبة لكنه لم يفعل، لم تحدثه بدورها، انتظرت ليوم الغد، لكنه
بدوره لم يفعل، بحثت عن العلبة مرة أخرى في ملابسه فلم تجدها، لم تجرؤ على سؤاله،
لكن الشك نبت في صدرها كشجر صبار عطش في الصحراء، هي التي كانت متكئة حد الاسترخاء
على جدار حبه لها، على صداقته وثقتها به، بدأت تستنفر مجساتها الأنثوية التي أغفلتها
بفعل الثقة والدراسة والوعي والنقاش السياسي، والموقف من المرأة والتحرر وفلسطين
والفقراء ودكتاتورية النظام، أصبحت تفتش خلسة معاطفه، وتشم كجروة مسعورة، قمصانه
وربطات عنقه، لعلها تتعرف عن الأخرى التي سلبتها إياه، تختلس هاتفه الخلوي في غفلة
منه، حين يكون بالحمام، أو وهو يغط في نومه الثقيل، لتعاين كل الرسائل القصيرة،
وكل أرقام معارفه، وفي قرارة نفسها اختيار لا رجعة فيه، أن لا تواجهه إلا ودليلها
في يديها. ندمت لأنها لم تكلمه عن علبة الهدايا الحمراء لحظتها، قبل اختفائها،
لكنها الآن لن تفعل...
لم يكد يمر يومان على حادثة علبة
الهدايا، حتى وقع بين يديها دليل إدانته، عادت بغتة إلى الشقة كي تستعيد أوراقاً
نسيتها وتخص عيادتها، لتجد ناصر، وشفيقة جارتهما الأستاذة المطلقة، في فراش غرفة
النوم... أحست بخنجر يخترق ضلوعها، وقع ارتطام جمجمة ناصر على الأرض، سقط من كل
كينونتها، من دمها الموزع في تاريخ علاقتهما، من عينيها المكحلتين بابتساماته
وضحكاته الرعناء، من قلبها الذي ارتعش بفعل كهرباء كفيه، من أحشائها التي كانت
تعده ليستقبل نطفة الحب وينجب تزاوج روحيهما، سقطت الأسماء من قاموسها وهي تمعن في
نكايته وتصر على أن تسمي المولود إن كان ذكرا برؤوف، وهو يرد المماحكة بسؤال إن
كانت لا تزال تحب شخصا اسمه رؤوف عرفته قبله، أو ربما تعرفت عليه خلال علاقتهما في
إشارة مبطنة لاحتمال خيانتها له. لم تعد الحكاية احتمال، بل واقعاً مرئياً وقاتلاً،
شفيقة الجارة التي لا ترد التحية على سكان الحارة، المعروفة بحسن سيرتها وسلوكها،
التي لا تستقبل النساء في شقتها فما بالك بالرجال، هي الآن في حضن ناصر وعلى سرير
غرفة نومها...
حملت الأوراق التي عادت من أجلها
من رف المكتب، أغلقت باب الشقة برفق، ولم تعد إليها منذ ذلك الحين...
طلبت من مساعدتها تأجيل كل مواعد العيادة
إلى الغد، توجهت للبنك، حيث سحبت نصف الرصيد في حسابها المشترك رفقة ناصر، اتجهت
صوب مكتب شركة عقارية، حسمت موضوع شرائها لشقة صغيرة منتهية في تشطيباتها ولا
تحتاج لأي إضافة، كان شرطها أن تتسلمها في اليوم نفسه، بعدها توجهت نحو محل لبيع
المفروشات، انتقت بسرعة ما يلزمها، سرير لشخص واحد، فلن يقتسم ناصر معها السرير
منذ اليوم، أدوات المطبخ الأساسية، مكتب خشبي صغير، ومكتبة لرص الكتب، في المساء
زارت سوقا ممتازا، حيث اقتنت بعض الأجبان، وبعض الخضر، شريحة لحم وقنينة
فودكا...حين دلفت لشقتها الجديدة، اكتشفت أنها لم تقدم طلب ربطها بشبكة الكهرباء
والماء، ابتسمت في قرارة نفسها، حين اقترح حارس العمارة تدبير الأمر بمعرفته، كما
اقترح أن يتكلف بمعالجة هذا المشكل في الغد صباحا...
طبخت شريحة اللحم، والتهمتها
بشراهة، تراكم الجوع بأحشائها طيلة اليوم، أفرغت قنينة الفودكا في جوفها، وقررت أن
تبكي لساعة واحدة لا غير، في تنفيذ صارم ودقيق لمراسيم الحداد على روح ماتت بين
يديها...
في الغد، اتصلت بصديقتها
المحامية، واتفقت بمعيتها على تقديم دعوى التطليق... ثم عرجت على عيادتها، حيث
استقبلت أمهات الأطفال المرضى بالكثير من الابتسامة والمرح، قررت أن لا تتقاضى
الأتعاب من بعضهن، اللواتي تظهر عليهن علامات الفقر والبؤس... كانت ليلة الحداد
كافية لتجدد روحها وتنسى للأبد ناصر، وتاريخ علاقتها به..
لم يتصل ناصر منذ ذلك اليوم... ولا
تعرف ما الذي حدث بعد خروجها من شقتها... لكن تحولا عميقا عرفته كينونتها، فقدت
ثقتها في كل ما يدور حولها، لم تعد تقتني جريدة الحزب، أصابها الغثيان في آخر مرة
فعلت ذلك بعد افتراقها عن ناصر، حين قرأت عنوانا بالبنط الكبير على رأس الصفحة
الأولى: الحزب يستنكر الحالة المزرية الذي آلت إليها وضعية المرأة ببلدنا، تذكرت
نقاشات ناصر ورفاقها في الحزب، كيف يتحدثون عن المرأة، عن وضعيتها، عن ضرورة العمل
من أجل تحسين العلاقات بين الرجال والنساء، قيمة الوفاء والحب في بناء أسر متوازنة
ومنتجة، كانت تتذكر كذلك كلام بعض الرفيقات، زوجات مناضلين رفقتهم، كيف يتصرفون
داخل منازلهم وفي غرف نومهم، كيف يعنفنهن بدون سبب، كيف لا يتقاسمن أعباء الأشغال
المنزلية رفقتهن، رغم كونهن يشتغلن بالخارج، مثلهن مثل أزواجهم المناضلين، سمعت
حكايات عن خليلات الرفاق، عن هجرهم لفراش زوجاتهن، وارتمائهم في أحضان نساء
أخريات، وكانت لا تصدق ما تسمعه، أو ترده لغياب وعي هاته السيدات، وارتباطهن
بثقافة حصرت اهتمام المرأة في مراقبة زوجها، وخلق حكايات افتراضية عن احتمال
خيانته لها، خوفا وتوجسا.... كانت علاقتها بناصر سندها في قناعتها، قبل أن يتضح
لها صدق ما كانت تحكيه رفيقاتها، وقبل أن تجد نفسها أمام صورة الرجل الأكثر تخلفا
في حياتها، مجسدة في ذات الناصر الذي عشقته...
كانت شامة تنصت لربيعة باهتمام
كبير، تكتشف جمالها وراء مقلتيها المتعبتين، تضع كفها على روحها المبعثرة وعلى
خراب مكوم في زاوية القلب، لم تكن تعير اهتماما لعالم السياسة، ولا لجماعات
التنظيمات والأحزاب، بل بالعكس، كان والدها أيام الدراسة ينبهها للابتعاد عن هذه
التجمعات، وكانت ترى بعين الريبة والازدراء طالبات ينخرطن في هذه العوالم، تعتبرهن
ساقطات لأنهن يدخن السجائر ويعلن ارتباطاتهن العاطفية مع رفاق لهن، الحب بالنسبة
لشامة مشروع مؤجل، لما بعد الانتهاء من الدراسة والاشتغال، وعليه قبل أن يصل إلى
القلب أن يمر عبر مباركة الوالد والوالدة، ثم تحول إلى مباركة الميمة...
