📁 آخر الأخبار

رواية الدبابة: الفصل التاسع والعاشر

 



رواية الدبابة ، الفصل التاسع والعاشر


الفصل التاسع: لذة وداد

كنت تائهًا وسط مدينة الناظور، أجلس في أكثر من مقهى، بين حي المطار وعرين الشيخ وشارع محمد الخامس. كلما جلست، ارتشفت القهوة السوداء التي أطلبها بسرعة، ثم أقوم كمفزوع من شيء لا أدري كنهه. على بعد بضع كيلومترات تقع مدينة مليلية، وبعد لحظات ستصل الدبابة التي أرسلها البوعزاتي، وعلي انتظار إشارة ماركو، مساعد أبولو الذي باعها إلى البوعزاتي، كي أتسلمها.

لم أخبر بشرى بسفري إلى الناظور، حتى وهي على علم بقرار البوعزاتي إرسال دبابة وتكليفي بتسلمها. حملت بعض ملابسي الداخلية في حقيبة السفر التي لا تفارق صندوق سيارتي، وأخبرت وداد برغبتي في أن ترافقني، ثم غادرت مدينة سلا.

وداد ستلحق بي على متن القطار.
ستأخذ غرفة في الفندق نفسه الذي أنزل فيه، ثم لا نلتقي طوال اليوم.

آه، من هي وداد؟
التحقت وداد بمكتب الموقع الذي أديره منذ سنة تقريبًا كمتدربة أول الأمر، ثم بعدما أبانت عن كفاءة عالية وحب لعمل الصحافة، أدمجتها ضمن الفريق الصغير، وكلفتها بكل ما هو منوعات ومتفرقات في الموقع، بما في ذلك الأخبار الرياضية. كنت أتابع كل المواد غير السياسية بنفسي، أو أكلف حسن، مساعدي المقرب، بمتابعتها.

ما حدث تجاه وداد غير مفهوم. نوع من الانجذاب، اشتهاء حيواني لجسد يراقص روحك بسموه. كانت وداد بيضاء البشرة، مكتنزة قليلاً دون ترهل، ترتدي تنورات قصيرة بعض الشيء، بقياس محسوب بالمليمتر تقريبًا. كان كافياً ليشعل البراكين في أكثر الأجساد الذكورية تحجراً.

حدث ذات مساء أن احتك جسدي بصدرها.
كان ذلك ونحن نحاول السير جنبًا في ممر ضيق بين المكتب الخشبي الذي أجلس إليه ورفوف الأرشيف الجانبية. حاولت إخراج ملف للاطلاع عليه، وحين لم تتمكن من الوصول إليه، حاولت مساعدتها.

كان لصدرها رائحة الاشتهاء، وكانا نهداها طريقاً غابوياً مؤثثاً بوحوش اللذة الضارية تمزق روحي المصلوبة على شعارات العفة.

في لحظة الاشتباك هذه أعلنت انهياري.
استسلمت وداد لهذا الانهيار بفرح طفولي، ثم ران فصل الربيع في جنبات المكتب.
كان ذلك في شهر ديسمبر، لكن الربيع حل في روحينا ذلك المساء.

لم نتحدث عن شكل علاقتنا. قالت إنها تحبني، وقلت لها إنني أحبها.
لم تسأل إن كنت أحبها هي وبشرى. لم تسأل كيف يمكن أن يحب المرء شخصين في الوقت نفسه.

الساعة تشير إلى السابعة مساءً، لا أثر لمساعد أبولو. حسب الاتفاق، إن لم يتصل بي قبل السادسة مساءً، فسيتم إرجاء الأمر إلى الغد.
كانت فرصة لقضاء ليلة جميلة رفقة وداد.


الفصل العاشر: جاسوسة في مكتب

لا أدري لماذا استدعيت إلى الحديث في هذا الكرنفال الحكائي.
على عكس رغبتي الطفولية، حيث كنت أود أن أكبر في ظل شجرة كبيرة أو بمحاذاة جدار طويل لا يراني أحد ولا أرى أحداً، أصبحت الآن تحت الأضواء، وأصبح مطلوبًا مني الحديث في أكثر القضايا تعقيدًا.

أصبح مطلوباً مني أن أتحدث عن حميد، وعن الدبابة، وعن صديقه البوعزاتي.
كان حميد بالنسبة لي هدفاً مهنياً لا غير. كان مطلوباً مني أن أوقعه في مصيدة الجسد وأن أصور خطيئته ثم أنسحب.

حين قررت أن أبوح بما لدي في ثنايا هذا النص، وضعت حدوداً ومحرمات، في اتفاق مع كاتبه الذي يمسك خيوط اللعبة السردية من جوانبها المختلفة. لكن في غفلة منه، قررت أن أبوح بكل شيء، أن أفتح أوردة القلب على بحيرة الأمل والندم. أن تكون مشاركتي في هذا المهرجان الحكائي نوعاً من طلب الصفح والاعتذار إلى نفسي أولاً وإلى حميد ثانياً.

كان يسهل اقتناص حميد.
ما لم يكن يعرفه المسؤول الذي جندني لهذه المهمة، هو أنه كان من السهل اقتناصي بدوري من طرف حميد. ليس في مهمة خسيسة، لكن في مسار عشق يملأ كل الحفر والندوب التي نبتت في جلد الروح خلال زهرة شباب أراقب انصرامها بسرعة وسط وحوش لا تنظر إلي إلا كجسد، ومن كل زوايا النظر: جسد للمتعة وجسد لاصطياد الرؤوس الساخنة.

وقع ما وقع قبل الموعد المتفق عليه. قبل أن نثبت الكاميرات في مكتبه ونوصلها بخوادم بعيدة لا أعرف من يشرف عليها. قبل أن تتم معه مفاوضات بشأن تليين خطه التحريري والانضباط داخل الصف.

حين وقع اشتباكنا الجميل، قررت أن أراوغ الذين كلفوني بالإيقاع بحميد. ماطلت في الاستجابة إلى دعواتهم، تأخرت في إنجاز تقارير عن حركاته وسكناته، وأحجمت عن الخوض في تفاصيل علاقته بزوجته وبالصحافيين الذين يشتغلون رفقته.

بين الفينة والأخرى كنت أنبهه لما يحاك ضده، تلميحاً مغرقاً في الوضوح. يأخذ حديثي إليه على محمل النصيحة تارة، وعلى محمل التدخل في شؤونه تارة أخرى.

وقع تحول حين علم المسؤول عن تجنيدي برغبة حميد في إدخال دبابة إلى المغرب. كان وقع الخبر عليه بحجم الصدمة، لغرابته أولاً، ولأنه عَلِمَه من جهات أمنية بعيدة.

أمضيت ساعات من الجحيم في حضرة هذا المسؤول، وأنا أحاول أن أبرر تقاعسي وتهاوني في مده بالمعلومات حول حميد، ومحاولة تكذيب الخبر الذي بحوزته بشأن الدبابة. لكن التسجيل الصوتي الذي أسمعني إياه لمكالمات حميد مع البوعزاتي كان دليلاً قوياً على ما يقوله، وكان حجة ضدي.

بعد هذا الاجتماع، قررت أن أراقب حميد بشكل جدي، أن أضبط حركاته، سفره وإيابه، وأبحث في ملف هاتفه وملفات حواسيبه. كان ذلك ضرورياً للحفاظ على نفسي، وكان أيضاً سهلاً لتوطد العلاقة بيننا.

حين طلب مني مرافقته إلى الناظور، أخبرني أنه يريد إجراء مقابلة مع فاعل سياسي هناك، وسينجز تغطية لمظاهرات ما سمي "حراك الريف". لم يخبرني أنه سيدخل الدبابة عبر بوابة مليلية. كان المسؤول عن تجنيدي قد أخبرني بذلك، وجهزني بكاميرا صغيرة وجهاز تسجيل متطور لمراقبة حميد.

لكنني تعذرت في تنفيذ المهمة لأننا كنا نلتقي ليلاً في غرفتي، نقطف زهور اللذة ونحتفل بعطشنا. لم يكن حميد حينها صحافياً، ولم أكن أنا عميلة مخابرات.

عبد العزيز العبدي
عبد العزيز العبدي
تعليقات