📁 آخر الأخبار

رواية "رأس وقدمان"، لكاتبها عبدالعزيز العبدي


غلاف كتاب رأس وقدمان - مشهد يتقاطع مع الصراعات النفسية والتأملات في النص الأدبي الطويل الذي تم تدقيقه.


الإهداء الاستهلالي

 وما دمنا لا نعرف الفرق بين الجامع والجامعة، لأنهما من جذر ‏لغوي واحد، فما حاجتنا للدولة... ما دامت هي والأيام إلى مصير واحد؟

محمود درويش في أنت منذ الآن غيرك.


الفصل الأول:

لا أحب البحر، ولا أثق في جمالية الغروب. النساء اللواتي صاحبتهن إلى الشاطئ، أو اللائي أمسكت بيديهن كي لا ينزلقن في صخور حجرية مسننة بالقرب من الماء، كنت أوهمهن بعشقي للبحر، كي أتماهى مع عشقهن البليد للماء.
البحر بالنسبة لي فضاء للاختلاء بجسد يناديني، أو بآخر أغتصبه.
الآن أنا قرب البحر، أنتظرك، لا أرغب في مجيئك السريع. شيء في داخلي يتمنى تأخرك، كي أستمتع بالنظر إلى زرقة هذا الماء، للغوص فيه بأفكاري لعلّي أصطاد سمكة المعنى، تريحني من تعب السؤال، تعيد لي شيئاً من عاداتي البليدة في الحب، وفي الحياة...
كان لقاؤك بداية تكوين جيولوجي جديد للعالم. ما عادت الشمس تشرق من مشرقها، ما عاد البحر يحضن القمر ليلاً، ولا عاد القمر يضيء مسارب العشاق واللصوص...
في دواخلي براكين كثيرة، والغريب أن بها أمطاراً غزيرة أيضاً، ناراً تأكل جدران الشرايين، ومطراً بارداً يصيبها بالتصلب تارة والارتخاء أخرى. وأنا أنظر إلى البحر وأتمنى أن لا تأتي... أن تتأخري كي أعبّ في صدري الكثير من رذاذ الماء، وصوت النوارس الذي يؤلف نغم الحياد...
هل أحبك كما كنتُ أدعي؟
هل كنت أدّعي حبك، كي أقترف لغةً تنشرني على حبال الحيرة وتُسكنني في أبراج التخيل، أم أن عيونك أضحت فعلاً مصابيح القلب؟ لا أتلمس طريق سريري بغير اشتهائك، والكثير من لوعة الانتظار التي تسكنني؟
أنا الآن قبالة البحر، ليس أكبر من طيفك، لكن موجه أرحم من جدائل شعرك التي تطوح بكل قرارات الاتزان التي أتخذها، وتخذلني في حضرة التفكير بك فقط... في حضرتك ينتابني الفناء، وأنتقل إلى دنيا غير التي نعبر فيها الشوارع، وتزعجنا فيها أبواق السيارات... في حضرتك أعبر الأزمنة بكل بهائها، شعراً وحباً وفرحاً وحبوراً...
كيف تحولت إلى أفق بعدما كنتِ مشروع ممر فقط؟
لا أستطيع حكي وجعي وانتشائي دون المسك بكفك، لا يمكنني أن أكون كاتباً دونك، أنا القلم وأنت الفكرة، أنا الفكرة وأنت الرعشة التي تحملني نحو الأقلام، ومفاتيح الحاسوب واللذة...
أصبحتِ آخر النساء...
تسألين: من كانت أولهن؟
كم يحتاج رجل من النساء، كي تستقيم هويته الذكورية؟
كتبت ذات جذاذة: المرأة الأفق، هي المرأة التي تتبدى فيها كل النساء...
كنت أعنيكِ... كنتِ كل النساء...
وكل النساء، كنَّ جزءاً منك، فسيفسائك التي تُكَوِّنُكِ أبحث عنهن في تفاصيل جسدك، في طريقة حديثك، في لباسك، في عطورك المختلفة، في حزمك، في وداعتك...
في عينيك فضول المعرفة، تدارينه بسؤال يخبئ رغبتك في اكتشاف نسائي، وأدرك رغبتك بكثير من التوجس والقلق...
كيف لي أن أحكي لك عن تكوينك في عمقي، كيف لي أن أحكي عن أجزاء الفسيفساء التي تُكَوِّنُكِ حجراً حجراً...
تتأخرين في القدوم، وأنا أتأمل البحر كما لم أحب من قبل. ماء الموج يداعب رمل الشاطئ بتوجس، كأنه يتأكد من استجابته، كأنه يريد أن يمسح آثار الأقدام التي تُطرِّزُ وجهه، فيغدو بكدمات وجروح... كم أغبط ساحل الشاطئ على مداعبة الموج، هل تعرفين أن روحي مليئة بذات الندوب وذات القروح؟ وأنني حين اتخذتك ماءً ليمسح جروحي، تسربت إلى شراييني كي تفسدي دمي، فجف الرمل على القلب، وتحولت الذكريات لدمامل توجع كلما عرج عليها التأمل المذهول من شدة الألم والتشظي...
كيف لي أن أفتت هذه الفسيفساء، وأركن كل قطعة على قارعة الكتابة، أشرع كتاب نسائي، فصول الحب، وفصول الابتعاد...

2
لم تكن تشبهك، لكنها لم تكن تختلف عنك تماماً، جاءت محمولة على موقع دردشة بدائي، حين بدأت الشبكة العنكبوتية ترخي سدولها على العلاقات واللقاءات. النقر على اسمها يبني سرداباً مضيئاً، أخبئ فيه خيبتي وضعفي.
كنت خرجت للتو من السجن، أحمل انكساراتي على كتفي، عيون ترفض أن تغمض أهدابها على وهجي، تزدريني بنفس الكثافة التي كانت تحبني بها، بدون معنى للحب الممتطي صهوة التطلع الاجتماعي للرتيب من العيش: أحلام مبسترة في علب المال والجاه، لا أفق غير جدران تُبنى، وأطفال يحفظون امتداد جيناتك في القادم من الأيام، بدون أمل وبدون هدف...
هي من رغبت في لقائي، تشبهكِ في فراري الأول، منك ومنها، في رفضي للقائها، في الخوف البدائي من انكسار العين الخارجة من المعقل، في مواجهة بهاء يرتب مشيه على خيوط المستقبل بتؤدة. كانت تمتهن التعليم الجامعي، تدرس الهندسة المالية، وتحمل في حقيبة تاريخها عقد طلاق قبل البناء. كنت أضحك في قرارة نفسي كلما قرأت عنوان العقد المدرج ضمن وثائق الزواج: البناء، النكاح، تكثير سواد الأمة...
حكت لي كيف أن رجلاً اغتصب حلمها، وحملها على إصرار أسرتها كي تضع لبنتها الأولى على رقعة النمط من العيش: تذهب إلى الجامعة صباحاً، وتصبن تبان الزوج وخرق المطبخ مساء. كيف أنه لم يشعل مصابيحها ولو لليلة واحدة، لم تطفئ شموعاً حمراء ولم تشهق ككل العرائس ليلة دخلتهن. هذا ما سماه الفقهاء قبل البناء... ومنحوها عقداً بذلك، تثبت به عذريتها الاجتماعية...
هل كان الجوع ما أعماني لحظة لقائها؟ جوع لتشابك الجسدين في السفر نحو معانٍ مختلفة للارتواء؟ جوع سنوات السجن، وهذا الانكسار في الروح الذي تخلفه النساء وهن يغادرن دروب الروح؟
أمضينا ثلاثة أيام في منزلي الذي اكتريته بحي شعبي وفقير. كان رضاها وسعادتها بتلك الغرفة التي لا تحوي سوى سرير ومشجب أعلق عليه كل ما أملك من ملابسي، يزرعان في دواخلي أزهار الرغبة والتقدير. لم نغادر الغرفة منذ أن دخلناها ليلة جمعة، إلى حين تأهبها للسفر بداية الأسبوع الموالي، إلى المدينة التي تدرس بها، هناك في بداية الجنوب المغربي...
كان ارتواءً جديداً، مذاقاً آخر للجسد والعسل، صرخة الأنثى بين حضني تربك كل العروش الصدئة في سماء الأديان، همس يؤلف بين جوعنا، جوعي المنكسر على توهج فقدته في السجن، وجوعها الذي نما بين حصار الأسرة وصك الطلاق قبل البناء. كنا نسكر بدون نبيذ، وحدها شفتاها وهذه النار المنبعثة من حوضها يذهبان رجاحة العقل حيث الاستراحة الجميلة... كان نهداها نبيذاً آخر...
فقدت الاتصال بشامة لما يزيد عن السنتين. ألج محلات الإنترنت أبحث عن أيقونتها إن كانت متقدة في مواقع الدردشة، دون جدوى. لا هاتف يرن، ولا عنوان يدلني على آثارها ويمحو أثرها...
بدأ النسيان يتسرب إلى ذاكرتي، جزء منه أنبته بعنف فيها، أشرع في البحث عنها خلف أزرار قميص كل امرأة أدحرجها إلى سريري، لتتوارى رويداً رويداً في دولاب الذكريات...
ذات صباح، رن هاتفي، لأكتشف أن شامة في الطرف الآخر من المكالمة. صوتها خافت ومرتبك، تسألني إن كنت أستطيع أن ألقاها بعد نصف ساعة، في ذات المقهى الذي التقينا فيه أول مرة...
كيف لهؤلاء النساء أن يقررن خراباً وزلازل ودماراً في نصف ساعة فقط؟ لم تكن تعلم أن الكثير من الطين والجير علق بالروح، وأنني ما عدت كما تركتني. هاتفها أربك كل عقارب ساعاتي، ما عاد الزوال زوالاً، ولا الصبح يستقبل الشمس من جهة الشرق. لا أعرف معنى نصف ساعة، كيف أحتسبها أو كيف أقضيها إلى حين وصولها؟ ارتبكت، انزعج الحمام في دمي، وذهلت الفراشات. لا يا سيدتي، لست جاهزاً خلال نصف ساعة، ولا حتى نصف سنة. صورتك أصابها الصدأ في عمق روحي، وتوارت ملامحك من أحلامي... فككت أزرار نساء عديدات بعدك، وسمعت صهيلاً آخر غير صهيلك. أحببت وغادرت وغادروني، وتواريتِ خلف طبقات كثيرة من الكلس ومن صلصال الإحباط والآلام، وتطلبين مني أن أكون جاهزاً في نصف ساعة....
جلست كعابر سبيل في المقهى، أحب الطاولات المنزويات في أركان المقاهي، الطاولات التي تمنحك فرصة مراقبة القادمين إليك، أن تقرأ تفاصيل ملامح وجوههم، طريقة مشيهم، ترتيب ملابسهم، نظرتهم من بعيد وهم يبحثون عنك، ما يحملونه في أيديهم... قبل أن يصلوا إليك، تكون قد كونت فكرة عنهم. لا يهم إن كانت صحيحة أم خاطئة، المهم أنه لديك قاعدة للتعامل معهم، سلباً أو إيجاباً. لا يهم...
مرت نصف ساعة، كانت دهراً بكامله، ثم مرت الدقائق الأولى من بعد نصف الساعة. يزعجني عدم احترام المواعيد بدقة، يزعجني أكثر أن شامة لم تقدر حجم الارتباك، وحجم البراكين التي أحدثتها بهاتفها، يزعجني كذلك أنها اختارت نفس المقهى الذي التقينا فيه أول مرة، وبدون شعور انزويت في الطاولة المركونة في إحدى زواياها، وهي ذاتها التي جلسنا فيها عند أول لقاء...

نفس التحية: السلام عليكم... كنت أتعمد أن أبادرها بتحية صباحية أو مسائية مختلفة، أن أقول لها في الهاتف، أو مباشرة: صباح الخير عزيزتي، أو صباح البهاء. لكن ردها كان دائماً بنفس الخشونة والحزم: السلام عليكم...
قلت بذات الارتباك: وعليكم السلام، تأخرتِ، أكثر من ساعة إلا ربعاً من الانتظار...

لم أجد مكاناً لركن السيارة، ردت باقتضاب وجلست...
ليست الجالسة أمامي هي شامة كما أعرفها. امرأة أخرى ببهاء مختلف: جسد نحيف، ووجه مملوء بالمساحيق على غير عادتها، تسريحة شعرها قصيرة ولباسها يشي بتحسن كبير في مستواها المادي.
كل شيء فيها تغير إلى الأحسن، إلا نظرتها. تراجعت إلى الخلف، وزاغت عن هدفها الذي هو صوب عينيها، شاردة وباردة ودون معنى. أمسكت بكفها الباردة، وحاولت اكتشاف الدروب التي تاهت فيها في السنتين اللتين هجرتني خلالهما. لم أشأ أن أسألها، ولم تجبني، أحسست أنها تستشعر سؤالي، وأحسست كذلك أنها قررت أن لا تجيب...
احتست فنجان قهوتها السوداء بسرعة، وكأننا على اتفاق مسبق. قمنا سوياً من على الطاولة، وتوجهنا إلى سيارتها...
في الهاتف كنت قد أخبرتها أنني لم أعد أقطن في ذات الحي الشعبي، وأنني رحلت إلى وسط العاصمة، في حي أكدال. خلف مقودها، رمقتني بنظرة جميلة، وكأنها تسألني عن اتجاه شقتي الجديدة. كان النداء واضحاً، وكنتُ برميل بارود مخبأ للانفجار الكبير. لم تكن الشقة بعيدة عن المقهى، لكن المسافة أضحت أميالاً وفراسخ بحرية، أصبح الزمن بدوره يبحث عن مهرب من يدي، كي لا يختصر ذاته في الانتظار فقط. بعد دقائق سنقفل الباب وراءنا، سأعيد قراءة جسد هرب من دمي قبل سنتين، سأعيد ترتيب تفاصيله، وأشذب الغياب على مذبح الجوع.
شقة في حي عصري، وسيارة وهاتف نقال باشتراك شهري؟ درتي لباس؟ بادرتني بسؤال...
لست أكثر منك، أنتِ بدورك اقتنيتِ سيارة، وتغير ذوقكِ في اللباس وفي صيانة مظهركِ. قلت لها ذلك، وأنا مشدوه النظر إلى أطلال تفاحتين خلف ثوب القميص الأسود الحريري...
لم يعد الزمن يهتم بتفاصيل خطونا ونحن بداخل الشقة. ستائر النوافذ منسدلة لا تشي بتفاصيل اليوم. مصابيح خافتة تكاد تمنحنا رؤية مكان الخطو اتجاه بعضنا. كفانا متشابكتان وصمت بشكل الأغنية يدعونا للالتحام...
أمسكت بخصرها وجذبتها نحو شفتي...
كان الجوع، وكان الجسد المثخن بحرقة الانتظار والإهمال يؤلف سمفونية العويل. تتجول الشفتان على قارعة الجسد، لينبت الصراخ كجدوع نخل تصلب بفعل البوار الذي أصابها. لهب النهدين يحرق حوض اللذة، وصراخ الأنثى المصلوبة على كثافة الرغبة يزيد اللهب أواراً. أركض كفرس تسابق الغبار، أركض وألهث من كثافة النبض، ومن عطش اختبأ في جوف العشق سنتين. كان صراخها ينبت معاول الفحولة في جسدي، وكان الزمن يجثو على ركبتيه في خشوع ينتظر ارتخاء الخدود على آسرة الأعناق... حضنتها فبكت... بكت بفرح وحرقة.
لا يمكنني أن أمضي الليلة معك. والدي أصبح كثير التوجس والحذر، ومصطفى أخي يزعج والدتي بكثرة السؤال إن تأخرت عن البيت...
لم أجبها، ولم أكن أرغب في أن تقضي الليلة رفقتي. كنت أبحث عن وحدتي كي أناجيها، أفكك جينات هذا الصهيل الذي انتابني في حضرتها، أربت على كتف ارتخائي اللذيذ، وأن أنام دون احتياطات ضرورية، دون أن أستفيق كل لحظة كي أسحب الغطاء على كتفيها العاريتين، ودون أن أسألها إن كانت تريد كوب ماء... وأن أقبلها على رأس كل ساعتين، كآذان صلاة.
استرسلت في حديثها، دون أن أقاطعها...
تحدثت عن تجربة زواجها، كيف تقدم مقاول كبير في النجارة الخشبية لخطبتها، وكيف وافقت عائلتها على ذلك، ووافقت بدورها، لأنه ليس للمرأة سوى الزواج من رجل... لا يهم إن كانت تحب الرجل أم لا، الحب يأتي بعد الزواج... لا يهم إن كان الرجل من مستواها الأكاديمي والمهني، ففي الأخير لا نبني بيوتاً من شهادات ومحاضرات... ما يهم هو قدرة الرجل على الإنفاق على زوجته وبيته ثم أولاده حين يأتون، والمقاول الخشبي يتمتع بهذه الميزة...
حصلت لتوها على شهادة الدكتوراه في الهندسة المالية، الأولى من فوجها، وجميع أساتذتها يشهدون لها بالذكاء والتفوق، ويتنبؤون لها بمسار مهني متميز، سواء في التدريس أو في خدمة القطاع الخاص الذي يحتاج لمثل كفاءتها. وهذه الشهادات والتنبؤات ترجمت بتعيينها أستاذة لنفس المادة بأحد المعاهد العليا المتخصصة.
والدتها، الحاجة آمنة، كما يلقبونها، رغم أنه لم يسبق لها أن وصلت إلى مدرج المطار، فما بالك بركوب الطائرة لزيارة الكعبة، لا ترى في شهادتها قيمة مضافة، غير ما يمكنها من أجر مهني، تساعد بجزء منه في التكفل بمصاريف البيت، والجزء الآخر قد يشكل صنارة لاصطياد زوج، يبحث عن شريكة تساعده بدورها على تكاليف بناء بيت الزوجية...
لم يكن حسن، الزوج الآتي من دروب الأسواق ومتاهات التجارة الملتوية، يعرف شامة. صادفها ذات ممر في إدارة الكلية، حيث كانت هي ذاهبة لقضاء غرض إداري ما، وكان هو يخرج لتوه من ذات الإدارة حيث أبرم معها صفقة تثبيت لوحات خشبية للإعلانات في الكثير من باحاتها. لم تنظر إليه، لكن طريقة مشيها وخجلها الطفولي على محياها أثارا انتباهه. ابتسم في دواخله وانصرف. في لقائه بالمسؤول عن الصفقات حاول السؤال عنها، جمع القليل من المعلومات وأبدى اهتمامه بها، وبإشارات تاجر لا يعقد سوى الصفقات، فهم المسؤول أنه مطالب بتدبير شيء ما يشبه الصفقة. كان مخرجه الوحيد من هذه الورطة، ومن أجل إرضاء عميله الذي ينفحه في كل زيارة بما يسميه "قهوته"، أن مد له رقم هاتفها، بعد أن حصل عليه بطرق ملتوية من مصلحة شؤون الأساتذة...
حسن التاجر الأمي، يعتقد بشكل مطلق، أن الرجل لا يعيبه سوى جيبه وفحولته، وهي الأستاذة رغم تعلمها وشهاداتها الجامعية، تعتقد بدورها أن الرجل لا يعيبه سوى جيبه وفحولته. هذه القاعدة الاجتماعية، كانت مفتاح سر علاقتهما. إذ ركب حسن رقم هاتفها، وبعد رنتين قصيرتين، أجابه صوتها الرخيم:
السلام عليكم...
وعليكم السلام، الأستاذة شامة؟
نعم ...من معي؟
أنا اسمي حسن، صادفتك في ممر الكلية منذ أسبوع، وعجبتيني، بحثت عن رقم هاتفك، كي أتصل بك... أنا قصدي شريف وباغي الحلال...
أنا كنقلب غير على الحلال والسترة...
قاطعها: لكنني ما قاريش قدك.
قاطعته بدورها: الرجل ما كيعيبو غير جيبو...
لم تتحدث عن فحولته، ولم يتحدثا عن الحب. كان ترتيباً بدائياً ومقززاً لزواج سيفشل في ليلته الأولى. بعد أن ضمنت الترتيبات الاجتماعية، استفاقت بداخلها الأنثى، تململت الفراشات في دمها، تبحث عن المعنى العميق للتشابك، رسمت في مخيلتها صورة الشاب الذي سيحرق كل غابات الهجر التي نبتت في دواخلها، سَيَسُلُّ الصرخة المكسرة لكل طبقات الكلس في جوارحها، وسيحملها حيث الغيبوبة التي تلامس في رحابتها غيوم اللذة والخدر...
كانت السقطة بحجم الهزيمة. طقوس ليلة الدخلة كترتيب المجازر. لم يحملها على فرس أبيض كما توهمت، بل باشر نزع ثيابها كنجار يزيح لحاء عن شجرة. لم يكن يقبلها، بل ينفث في وجهها رائحة الطعام النتنة وبقايا خمر حمراء رخيصة. كان أول سفر لجسدها بطعم الاندحار. هربت الفراشات من دمها، وجفلت الفرس في شرايينها، وانزوت في ركن الغرفة تصرخ وتبكي بهستيرية...
صفعها بقوة وخرج من الغرفة. لم يكلم والدته ولا أخواته المتحلقات حول الطاولة في البهو المقابل لغرفته. كانت والدتها تنتحب في غرفة أخرى، ولا شيء يدور في خلدها، سوى أن ابنتها فقدت بكارتها في لحظة طيش ماضية. لعنت في سرها الدراسة والجامعة والدكتوراه التي كانت تختبئ وراءها لتسهر رفقة صديقاتها خارج البيت، وقبولها بزيارتها لبيت أستاذها الذي يشرف على أطروحتها، وانخداعها بحديث ابنتها عن حبه لزوجته والتزامه بعمله بشكل جيد. تنتحب أكثر كلما أصاخت السمع لبكاء ابنتها في ركن الغرفة...
شمس الصباح حارقة، لا شيء يشي بأن عرساً كان بهذا المكان. تسللت والدتها إلى غرفتها، تكتم غضبها ودموعها. لم تجدها على سريرها، فوجئت بها تنام وهي جالسة القرفصاء في زاوية الغرفة، مساحيق التجميل مبعثرة على وجهها بفعل مطر الدموع، وخدها الأيسر به احمرار مشوب بقليل من الزرقة، بفعل قوة الصفعة التي تلقتها من كف حسن النجار. فوجئت بلباس العروس غير المنزوع، وبفردة حذاء في قدمها اليسرى. تبدد الغضب الذي تجمع في صدرها طوال الليل. اقتربت منها بحذر ومسكت كفها:
شامة، ابنتي، هل تسمعينني؟
شامة، ابنتي، هل تسمعينني؟
لم تكن مغمى عليها، لكنها استسلمت لنوم عميق بعد ساعات من المكابدة والعناء ليلاً. لم تسمع همس والدتها التي أعادت الكرة مرة أخرى:
شامة، أنا والدتك، هل تسمعينني؟ لمَ لم تنزعي ملابس العرس؟ أجيبيني أرجوك.
سحبتها بقوة من كفها في محاولة لوضعها بشكل صحيح على السرير...
انتفضت شامة، ومذعورة صرخت بأعلى صوتها:
بعدي عني... بعدي عني...
أنا والدتك... لا تخشين شيئاً... احكي لي ماذا جرى. ألم يعتصر أحشائي، وظلال العار تزحف على حياتي من نظرات أهل عريسك؟ فقط قولي لي شيئاً أسند به كبريائي أمامهم وأمام والدك وإخوتك...
غرست شامة وجهها في صدر والدتها، وبكت... بكت بألم وحرقة...
لم يقع شيء أمي. لم يمسسني. لم يعطني فرصة الإحساس بألفة وجوده. هاجمني بشكل فظ. فمه نتن، ورائحة خمر رخيصة تفوح منه. أصابني شعور بالتقيؤ، ولم أستطع أن أسلم له نفسي... صفعني، وقذفني بوابل من السباب والشتائم. قال إنني كنت على علاقة بزميل لي في الكلية، وإن بنات الجامعات كلهن عاهرات، وإنني فقط تزوجته كي أقضي به فريضة لازمة لكل امرأة في هذا المجتمع...
يعني أنك ما زلت بكراً، يا ابنتي؟
نعم، لا زلت بكراً، ولن أسلم نفسي إلا للرجل الذي سأتزوجه. كان على حسن أن يتمهل قليلاً، فقط كان عليه أن يتمهل قليلاً...
انفرجت أسارير الأم، استجمعت قواها بعد أن خارت بفعل الجهد الذي بذلته وهي تحمل ابنتها إلى السرير. رشت وجهها بالماء البارد كي تطرد النعاس والتعب من على جسدها، وخرجت من باب الغرفة تصرخ وهي تفتعل غضباً مشروعاً:
اللي ماشي راجل، مخاصوش يتكرفس على بنات الناس... يمشي يداوي عاد يقلب يتزوج...
كان للجملة وقع الرصاص على والدة العريس وإخوته. تحولت ملامح وجوههم من شماتة ممزوجة بابتسامة الشفقة والسخرية إلى تكدر في الملامح وانقباض في الصدور...
حسن، النجار الفارع الطول، ذو العضلات المفتولة والكفين الخشنتين، الذي ترتعد النساء من نظراته وتنتابهن قشعريرة الانتشاء حتى وهو بعيد عنهن، لا يقربهن... حسن، الذي يفتت أقوى جذع شجرة ويحولها إلى خشب ناعم وطاولات بأشكال مختلفة، لم يقوَ على نزع ثياب شامة، فتاة الجامعة الرطبة كرغوة صابون حلاقة...
ما الذي أصاب حسن؟ من أساء إليه وجعله أضحوكة والدة العروس؟ تهمهم والدته...
كانت شامة تحكي، تبتسم أحياناً وتضحك أحياناً أخرى. خرجت هي ووالدتها من بيت العريس، وذهبتا إلى منزلهما. لم ترَ حسن منذ ذلك الوقت، إلى حين توجهها إلى محكمة الأسرة، حيث فسخت عقد زواجها به... سألها القاضي إن كانت حاملاً، أو تشك بأنها حامل. فأخبره محامي حسن أن موكله لم يمسسها، وأن الطلب هو التطليق قبل البناء، وأن شامة ملزمة برد نصف صداقها كما ينص على ذلك القانون...
لم تستطع شامة إغلاق الكوة التي فتحها حسن. جرحاً عميقاً في نفسها، ودملاً متقيحاً يرسو على صفاء روحها الذي ربته مع السنين. حلم الدراسة والشهادة العالية، ومساعدة الوالد الذي يعمل سائقاً لشاحنة تنقل القمامة على مدار اليوم في شوارع العاصمة، والاستئناس بحلم والدتها المصاحب لحلمها، أن تستقر في كنف رجل ميسور، ترزق رفقته بالبنين والبنات...
لم يكن يزعجها حلم والدتها، كانت تألفه مثل تكور نهديها الذي فاجأها ذات تقدم في سنوات مراهقتها، ومثل توالي دورات الحيض التي تكدر صفوها عند نهاية كل شهر، وتمنحها لذة التحول إلى أنثى يصخب جسدها بالرغبة والشبق. تتحسس جسدها وفي مخيلتها صورة رجل، أي رجل لا يهم، فقط يدان خشنتان وشارب يتجول على تضاريس الجسد مشعلاً حرائق ومفجراً براكين. حين تفاجئها أحلام والدتها، تنقبض أسارير وجهها، وتكف عن الاشتهاء... لم تستطع استرجاع حلمها وتركيب صورة حسن على الشارب والكفين المتجولتين... لم يكن حسن النجار فارس أحلامها...
رتبت أغراضها في حقيبتها، ورفضت أن أصاحبها إلى الخارج. فضلت ربما مرافقة انتشائها لوحدها، أو ربما رغبت في اكتشاف خطوها الذي قادها إلى الشقة عبر سلالم العمارة...
حفرة، كهوة سحيقة حفرتها شامة في نسيج الروح. أشعر بجسدي ينجذب ساقطاً نحو قعر الحفرة. غصة في الحلق، وألم يعتصر الفؤاد... اختفت لمدة سنتين لأنها استبدلت وهج الليالي وصدى صرخات العشق المجنون بقطعة ورق مهترئة تسمى عقد نكاح، وأخرى أصبحت تلازمها بعنوان طلاق قبل البناء... اختفت كي تحقق انتصاب الجدة فيها. انتصبت فيها كل مشانق الحرية وكل مقاصل العقل الذي يضيء الآخر فيها. شامة الأستاذة المتخصصة في مجالها بشكل دقيق، يحسب لها ألف حساب في ردهات الجامعة وفي أروقة المنظمات والشركات الدولية التي تستفيد من خبراتها وعلمها. شامة التي درست سنوات عديدة، وسافرت عبر العالم، تعرفت خلال جولاتها على ثقافات متقدمة، وعلى بلدان لم تعد بها المرأة ذلك الكائن المرتب في درجة ثانية بعد الذكر. شامة التي تعرفت خلال مسارها الأكاديمي على نساء يمسكن زمام أمورهن بأيديهن، يمارسن استقلاليتهن وحريتهن، يخترن رجالاً يحققن سعادتهن بتقاسم المشاعر والأفكار والشوق معهم. شامة تندحر في هاوية الرتابة وتبحث عن زوج قادر على الإنفاق. زوج لا يعيبه سوى جيبه. ما همَّ فكره ولا مستواه التعليمي...
تعمدت المكوث في السرير بعد مغادرتها. لا رغبة لي في فعل أي شيء... أي شيء.

تعليقات