بقلم: إلياس الخطابي، قاص من الحسيمة.
القراءة ليست مجرد مهارة يكتسبها الإنسان، بل هي نافذة تطل على عوالم لا حصر لها من الفكر والإبداع. لكل منا حكاية مع القراءة، حكاية تحمل بين طياتها لحظات من الاكتشاف والتحول. بالنسبة لي، كانت البداية مليئة بالتحديات والفراغ، لكنها انتهت بتحقيق الذات وإدراك أهمية الكلمة.
البداية: أول مواجهة مع العجز
عندما أعود بذاكرتي إلى الوراء، لا أستطيع تحديد اليوم الذي اكتشفت فيه القراءة وأدركت قيمتها الحقيقية. كنت كغيري من التلاميذ، أحضر الحصص الدراسية وأستمع قليلًا لما يقوله المدرس، ثم أغادر المدرسة دون أن أحمل في ذهني شيئًا يذكر.
لكن حدثًا بسيطًا غيّر مسار حياتي. في أحد الامتحانات، طُلب منا كتابة إنشاء حول موضوع معين. مسكت القلم وبدأت أتأمل الورقة البيضاء. كان زملائي يكتبون ويخربشون، بينما بقيت عاجزًا. شعرت حينها أن ذاكرتي خاوية تمامًا، لا تحمل ما يكفي لكتابة سطر واحد. ربما كانت لدي أفكار، لكنها بلا لغة أو صياغة.
موقف المدرس ودروس البداية
ظل المدرس يتجول بين الصفوف، ينظر إلى أوراق التلاميذ. عندما وصل إلى ورقتي البيضاء، سألني بابتسامة:
- إلياس، لماذا لم تكتب أي شيء؟
أجبته بحرج: - لا أستطيع.
ضحك وقال مشجعًا:
- اكتب أي شيء.. الأفكار كثيرة حول الموضوع. اقرأ العنوان، ثم فكر، وبعد ذلك حاول أن تكتب.
ترك لي الفرصة للتفكير مجددًا، لكن رغم محاولاتي، لم أتمكن من كتابة أي كلمة. في النهاية، غضبت من نفسي ونهضت من مكاني، وذهبت لإعادة الورقة كما هي. حين أردت مغادرة القاعة، ناداني المدرس وطلب مني انتظاره خارج الفصل.
الرواية الأولى: بداية الطريق
خرج المدرس بعد لحظات يحمل بين يديه رواية صغيرة. مدّها إلي وقال بلطف:
- اقرأ هذه الرواية، وحاول قراءة المزيد من الكتب. ستساعدك على التعبير عن أفكارك.
شكرته، وأخذت الرواية معي إلى المقهى الذي كنت أعتاد الجلوس فيه. هناك، لاحظت رجلًا يقرأ جريدة ويضع بجانبها روايات للكاتب محمد شكري. سألته عن القراءة وأهميتها، فأجابني:
- اقرأ أي شيء.. وابدأ بمحمد شكري، ستكتشف أشياء لم تكن تعرفها عن نفسك والعالم.
القراءة: من الملل إلى الشغف
جلست في المقهى وبدأت بقراءة الرواية التي أعطاني إياها المدرس. رغم شعوري بالملل في البداية، واصلت القراءة مدفوعًا بالرغبة في تحسين نفسي. بحثت عبر الهاتف عن أهمية القراءة، واطلعت على حياة محمد شكري، الكاتب الذي نصحني الرجل بقراءته. شعرت حينها أن القراءة هي جسر بين جهلي الحالي وقدرتي على كتابة الإنشاء يومًا ما.
سنوات من القراءة: تغيير الذات
مرت سنوات طويلة وأنا أقرأ مختلف الكتب والروايات. مع كل كتاب جديد، شعرت بأنني أقترب أكثر من القدرة على التعبير عن أفكاري. تعلمت من القراءة أكثر من مجرد كتابة الإنشاء؛ تعلمت أن أكون أنا، أن أكتشف ذاتي وأفكاري، لا أن أكون نسخة مكررة من الآخرين.
ومن أفضل الدروس التي تعلمتها من القراءة هو ما قاله أحد الكتّاب:
- "القراءة إذا لم تعلمك أي شيء، فعلى الأقل ستهذبك."
خاتمة
اليوم، وأنا أتأمل حكايتي مع القراءة، أدرك أنها لم تكن مجرد رحلة لتحسين مهارة الكتابة، بل كانت وسيلة لاكتشاف الذات وتطوير الفكر. القراءة ليست مجرد كلمات على الورق؛ إنها أداة لبناء الإنسان وتعزيز حريته الفكرية. أشكر كل من ساعدني على إدراك قيمتها، من المدرس الذي أهداني الرواية الأولى، إلى الرجل الذي أرشدني لقراءة محمد شكري.
