كيف تصبح أحلام الطفولة صفقة خطرة بين زعيم مافيا ومشتري غريب؟
أخبرني مساعدي ماركو أن البوعزاتي المغربي يريد لقائي مرة أخرى. وافقت على الفور، لغياب أي انشغال لدي، ولحقيقة أخرى أنني افتتنت بهذا المغربي منذ لقائي الأول به. كنت أفكر في طلب لقائه، لولا خوفي أن يعتقد أنني أتودد إليه كي أبيعه الدبابة التي يرغب في شرائها.
كنت أريد أن أفهم كيف لإنسان أن يفكر في اقتناء دبابة دون أن يكون له مشروع حرب واضح ضد عدو محدد. وكيف لإنسان أن يرغب في اقتناء دبابة بملايين اليوروهات فقط لأنه كان يصنع، في طفولته مع صديق له، دبابات من ورق الكرتون ليختبئ فيها؟
في لحظات معينة، انتابني شك في أن البوعزاتي المغربي ليس بالغباء الذي اعتقدته، بل لعله أذكى مما أتصوره، وهذا قد يشكل خطرًا عليَّ. هذا أيضًا ما دفعني إلى انتظار لقائه والترحيب به، وربما لو تأخر قليلًا، كنت سأسعى أنا إلى لقائه.
رغم الارتياح النفسي الذي خلفته زيارة البوعزاتي الأولى، ظل التوجس من دهائه قائمًا ومتحكمًا في علاقتي به. غياب أي توقع عملي وفعلي عما يمكن أن يصدر عنه أو عن ترتيبه لأموره مع من يشتغل معهم، كان يمنعني من إعداد خطة رد أو دفاع، أو حتى اتخاذ قرار بالهروب أو المواجهة. لذا، قررت أن تكون العلاقة به علاقة انتحارية بامتياز: بمعنى أنني لن أعد أي خطة لمواجهته، سوى وضع يدي قريبة من مخبأ المسدس بين الجورب والساق. وفي حالة صدور أي فعل يؤكد تورطه في مؤامرة مع الشرطة أو أي جهة بوليسية في إستونيا أو خارجها، سأفرغ رصاص المسدس في رأسه هو أولًا، ولا يهم ما سيأتي بعد ذلك.
قد يكون بدوره مسلحًا ويعالجني برصاصة ما، وقد يكون فريقه أكثر سرعة وفاعلية فيتمكن من قتلي قبل إفراغ مسدسي. المهم، أنني سأضمن قتله أولًا.
رتب لنا ماركو لقاء في حانة "العمل" عند ملتقى جادة "الماشية العالية" (Suur-Karja) وشارع "فجوة الجدار" (Müürivahe). الحانة تعود إلى صهره الذي يتعاون معنا بين الفينة والأخرى، وهي مجهزة بكاميرات تُمَكِّن ماركو من مراقبة كل حركة داخل الحانة ومحيطها أثناء اجتماعنا.
حين وصلت، أخبرني ماركو أن الأمور عادية ولا تدعو إلى الريبة. كان البوعزاتي المغربي جالسًا إلى طاولة عليها قناني جعة كثيرة.
لم يتأخر كثيرًا في بسط سبب طلبه للقائي. بدا مستعدًا نفسيًا للكشف عما يجول في خاطره وعن رغباته وأحلامه، وكذلك عن إحباطاته. أخبرني أن صندوق سيارته يحتوي على كيس بلاستيكي به 800 ألف يورو، وأنه يريد دبابة بهذا المبلغ. لا تهمه كثيرًا مواصفاتها، لكن شرطه الوحيد أن يتسلمها في مدينة مليلية، المدينة الإسبانية الواقعة على الأرض المغربية.
أضاف أنه قد يتسلمها شخصيًا أو ينيب عنه صديقه الصحافي الذي حدثني عنه في لقائنا الأول. ذلك الصحافي الذي شاركه طفولة حالمة بالدبابات الكرتونية.
بهذا المبلغ، لن يستطيع اقتناء دبابة جيدة وجديدة كما يعتقد، إذ أن أرخص دبابة معترف بجودتها وفعاليتها القتالية لا يقل سعرها عن أربعة ملايين يورو. إنها الدبابة الروسية T-90، والتي يصعب إيجاد نموذج مستعمل منها، سواء في المقلع الذي أملكه أو لدى منافسين لي في السوق.
شرحت للبوعزاتي أن هذا المبلغ لن يساعده على اقتناء الدبابة التي يريد. وربما عليه أن يعدل عن فكرة اقتناء الدبابة أصلًا. لأنه لا يعقل أن نشتري دبابة ونتوجه بها إلى بلد لا يعرف الحروب، ولا توجد به مجموعات مسلحة، فقط لأننا كنا نحلم في طفولتنا بامتلاك واحدة منها.
نظرات البوعزاتي كانت كافية لتجعلني أصمت عن الكلام. ودون حديث سابق، أردف يقول:
- السيد أبولو، أريد دبابة. أريد دبابة من أجل صديقي حميد، وليس من أجل الحرب.
ران صمت طويل. شعور بالمسؤولية تجاه هذا المواطن المسمى حميد انتابني دون سبب ظاهر. رغبة صديق طفولته في إسعاده أصبحت معدية، وأصبحت ملزمًا بتوفير دبابة وإيصالها إلى مقدمة الأراضي الإفريقية مقابل مبلغ 800 ألف يورو فقط.
كان من الضروري القيام ببعض التضحيات دون الأخذ بعين الاعتبار الربح المادي. يحدث أن تغلب المشاعر الجميلة والمؤثرة أشخاصًا قساة مثلنا. نحن زعماء المافيات، رغم قسوتنا، لنا جانب حساس وعاطفي.
في لحظة تجلٍّ وانتشاء، كان النبيذ جزءًا من أسبابها، قمت من على الكرسي وتوجهت نحو البوعزاتي. قام بدوره، وعانقته بحرارة وأنا أهمس في أذنه:
- سيكون لصديقك حميد هذه الدبابة الملعونة، وستكون لكما مقابل 800 ألف يورو فقط.
ثم استطردت قائلًا:
- ما سأمنحك إياه يُعتبر "عروس الدبابات". سأبيعك دبابة ليوبارد 2 الألمانية الصنع، إنتاج شركة "كراوس مافي ويجمان".
شرحت له أن ثمنها الجديدة يصل إلى عشرة ملايين دولار، بينما سأبيعه واحدة مستعملة بحالة ممتازة.
- إنها فقط لإسعاد صديقك حميد. وهذا في حد ذاته ثمن باهظ.
غادرنا الحانة سويًا. سلمني البوعزاتي الكيس البلاستيكي الذي يحوي 800 ألف يورو، بعد أن قطعت له وعدًا بأن تصل الدبابة إلى الحدود بين مليلية والمغرب.
حين سأل عن كيفية عبورها كل هذه الأراضي، ثم البحر الأبيض المتوسط، كي تصل إلى هناك، نظرت إليه مفتعلًا الغضب وأشرت بيدي كأنها مسدس. فهم البوعزاتي الحركة وقدم اعتذارًا إيمائيًا، دليلًا على فهمه للغة المافيات.
