كان الصوت الآلي لروبوت "كايجا" يملأ القاعة بصدى معدني، جاف لا يحمل أي عاطفة. جلس هيثم وندى في مواجهة الشاشة الضخمة، تحيط بهما جدران معدنية ملساء مضاءة بأنوار بيضاء باردة، كأنها تُعري أحلامهما لتلقي بها تحت عدسة المجهر. كل منهما يحاول أن يخفي رعشة يده عن الآخر، لكن عيونهما لم تستطع الفرار من الحقيقة الباردة التي انبثقت أمامهما.
"القرار: طلب الزواج مرفوض. السبب: علاقة بيولوجية بين الطرفين. التصنيف: أخوان بيولوجيًا. القرار نافذ وغير قابل للطعن."كأن الكلمات تحمل سكاكين تقطع بها الزمن إلى نصفين: قبل القرار وبعده. نظر هيثم إلى الشاشة في ذهول، شعر كأن صدره يضيق تحت وطأة جبال خفية. تلاشت ضوضاء المدينة المحيطة بالقاعة، وتراجعت أنفاس ندى إلى مكان بعيد كأنها لم تعد موجودة.
ندى، التي اعتادت أن تواجه أصعب المواقف دون أن تنكسر، شعرت بأن دموعها تنزلق أخيرًا بلا إذن، مثل خيانة علنية من جسدها الذي لم يطاوعها يومًا. كيف يمكن أن يُقال هذا؟ كيف يُختزل حبها، الذي شبّ في قلبها كشجرة عنيدة، إلى مجرد تقرير بارد لا مكان فيه للحياة أو الشك؟
همست بصوت مهزوز بالكاد تسمع نفسها:
"هيثم... هذا... لا يمكن أن يكون صحيحًا."
لكن هيثم لم يُجب. الكلمات لم تعد تليق بهذه اللحظة. نظر إلى ندى ثم إلى الشاشة، وكأن عينيه تبحثان عن أي خيط رفيع من الخطأ، عن أي حرف قد يفتح لهما نافذة للأمل. لكن "كايجا" لا يخطئ. هكذا أخبره الجميع. الآلة دقيقة، صارمة، ولا مجال للطعن في قراراتها.
ندى عضّت على شفتها، وكأنها تحاول أن تمنع جسدها من الانهيار:
"لا يمكننا الاستسلام. يجب أن يكون هناك طريقة. هناك... خطأ. أعرف ذلك."
التفت إليها هيثم، في عينيه مزيج غريب من الغضب والحزن واليأس. "هذه ليست مجرد آلة، ندى. إنها قانون. إنها الدولة."
ثم أردف بصوت أشبه بالهمس:
"لكنني لن أصدق. لن أصدق ما تقوله."
وقف فجأة، يداه ترتجفان وهو ينظر إلى الشاشة، ثم ضرب بقبضته على الطاولة المعدنية أمامه. الصوت يتردد في القاعة مثل احتجاج عقيم.
"هذه ليست النهاية. لن أقبل أن تكون النهاية."
________________________________________
الفصل الأول: قرار "كايجا"
كان صباح المدينة رمادياً، غارقاً في غيمة من الضباب والروتين. الأبراج الزجاجية اللامعة ترتفع إلى السماء، تعكس شمساً خجولة بالكاد تخترق الغيوم. في الأسفل، تتدفق الحشود كأنهم قطع شطرنج تُحركها يد خفية، بينما عربات النقل ذاتية القيادة تلتزم بمساراتها الدقيقة في صمت.في شقة صغيرة في الطابق السابع من مبنى حكومي، جلس هيثم على كرسيه أمام النافذة، يحملق في الشارع دون أن يرى شيئاً. على الطاولة خلفه، كانت بقايا فنجان قهوة لم يشربه، وأوراق متفرقة تتكدس حول جهاز لوحي متصل بشبكة حكومية مركزية.
رن هاتفه فجأة. لم يلتفت. كان يعلم من المتصل. ندى.
بعد ثلاث رنات، التقطه أخيرًا.
"هيثم..." صوتها كان مثقلاً، كما لو كانت تحمل العالم على لسانها.
"ندى، لا تقولي أي شيء. أنا... لا أعرف ماذا أفعل."
صمتت للحظة، ثم أردفت بهدوء:
"لا بأس أن لا تعرف. لكننا يجب أن نفعل شيئًا."
"أي شيء؟ كيف نقف ضد هذا النظام؟"
ندى تنهدت، صوتها صار أكثر حدة:
"هذا ليس نظامًا، هيثم. إنها آلة. وكل آلة يمكنها أن تخطئ."
أمسك الهاتف بيده بقوة، كأن الكلمات قد تعطيه قوة خفية. "كايجا لا يخطئ، ندى. لا يمكننا فقط الصراخ في وجهه. نحن بحاجة إلى إثبات. دليل علمي... شيء يقنع الدولة."
ندى لم تجب فوراً. بدا وكأنها تزن كلماتها بحذر. "هناك شخص... قد يستطيع المساعدة. الدكتور حازم العسلي."
"حازم؟"
"نعم. كان جزءًا من الفريق الذي طور كايجا. لكنه الآن... خارج النظام. إذا كان هناك خطأ في كايجا، فهو الوحيد الذي يمكنه كشفه."
هيثم استدار نحو الطاولة، أخذ نفساً عميقاً، كأنه يحاول أن يستعيد شيئاً من رباطة جأشه. "كيف أصل إليه؟"
"سأرتب لقاء. فقط... كن مستعداً."
________________________________________
في مساء اليوم نفسه، وقف هيثم أمام مبنى قديم في أطراف المدينة. على عكس أبراج الزجاج اللامعة في المركز، بدا هذا المكان كأنه خرج من ذاكرة الزمن. الجدران مغطاة بشبكة من الطحالب، والنوافذ الصغيرة تحمل بقايا غبار السنين. أخرج هاتفه وتفحص رسالة ندى مجددًا:
"الدكتور حازم العسلي. الطابق الثاني. لا تذكر اسمك بوضوح عند الدخول."
صعد الدرجات المتهالكة، متردداً بين الخطوة والأخرى. في الممر الضيق بالطابق الثاني، وجد بابًا بني اللون مع لوحة معدنية باهتة تحمل اسمًا مطموسًا. طرق الباب ثلاث مرات بخفة، فُتح الباب قليلاً، وظهرت عين صغيرة خلف سلسلة الأمان.
"من؟"
"اسمي هيثم. ندى أرسلتني."
صمت للحظة، ثم سُمع صوت فك سلسلة الأمان. فُتح الباب كاشفًا عن رجل في منتصف الخمسينات، يرتدي معطفًا رماديًا يبدو أنه لم يُغسل منذ أسابيع. شعره كان مشعثًا، ونظراته تحمل خليطًا من الإرهاق والانتباه.
"تعال." قالها بنبرة آمرة دون أن ينظر مباشرة إلى هيثم.
دخل هيثم إلى شقة صغيرة مزدحمة بأجهزة حاسوب قديمة وأوراق مبعثرة. كانت هناك شاشة كبيرة في الزاوية، تعرض رموزًا متحركة ومخططات هندسية لا يفهمها. أشار حازم إلى كرسي خشبي مهترئ.
"ندى أخبرتني قليلاً عن مشكلتك. كايجا قرر أنك وأنتِ..." توقف قليلاً قبل أن يُكمل بنبرة مشمئزة، "أخوان؟"
أومأ هيثم بصمت.
"وأنت تريدني أن أخبرك أن كايجا على خطأ؟"
"ليس مجرد خطأ. أريد إثباتًا. دليلًا يعيد حياتنا إلى مسارها."
جلس حازم خلف مكتبه، وبدأ بتشغيل جهاز قديم. على الشاشة، ظهرت سلسلة من الملفات المغلقة. قال بصوت هادئ لكنه محمل بالقلق:
"كايجا لا يخطئ. ليس لأنه كامل، بل لأن النظام لا يسمح له بالخطأ. أي قرار يصدره يُعتبر جزءًا من السياسات العليا التي تخدم استقرار الدولة. إذا شككت في كايجا، فأنت لا تشك في آلة... بل في كل النظام."
صمت حازم للحظة، ثم أضاف:
"لكنني أعلم ما لا يعلمه الآخرون. هناك ثغرات. صغيرة، لكنها موجودة."
هيثم اقترب من المكتب بحماس: "هل يمكنك العثور عليها؟ إثبات أن القرار خاطئ؟"
أطفأ حازم الشاشة بضغطه سريعة، ثم نظر مباشرة إلى هيثم:
"إذا أردتني أن أساعدك، عليك أن تدرك خطورة ما تطلبه. مجرد التحقيق في قرار كايجا يُعتبر جريمة ضد الدولة. إذا كشفتهم أننا نحاول، فستختفي أنت وأنا وندى... إلى الأبد."
ابتلع هيثم ريقه، لكنه قال بصوت ثابت:
"أنا مستعد للمخاطرة. فقط أخبرني كيف أبدأ."
حازم رمقه بنظرة طويلة، ثم وقف وتوجه نحو خزانة حديدية في زاوية الغرفة. فتحها ليخرج جهازًا صغيرًا يشبه قرصًا مضيئًا.
"هذا هو جهاز فك التشفير. يمكنه اختراق بعض أجزاء نظام كايجا. لكنك لن تستطيع استخدامه من هنا. عليك الوصول إلى إحدى محطات التحليل التابعة له."
"وأين أجد هذه المحطات؟"
"هناك واحدة في وسط المدينة. مقرها في وزارة السجلات المدنية. لكنها محمية بأنظمة أمنية مشددة. الدخول إليها... يعني أنك تطلب حربًا."
________________________________________
الفصل الثاني: معركة مع كايجا
في الليل، عندما تُغلق المدينة عينيها المعدنية على نبضها البارد، وتطفئ الأبراج زهوها تحت قبة من ضباب صناعي، وقف هيثم وندى أمام مبنى وزارة السجلات المدنية. كان المبنى أشبه بكائن هائل، يرمق الداخلين والخارجين بعيون كاميراته المتحركة، كأن له روحًا تتنفس عبر أسلاكه المعلقة.لم يكن أي منهما يتحدث. الكلمات اختفت تحت وطأة الخوف، وأصبح صوتهما الداخلي أشبه بصدى بعيد لجبل يتهاوى. نظر هيثم إلى ندى. في عينيها كانت تتراقص شعلة مختلطة بين الحذر والتصميم. ابتسم بخفة، كأنها إشارة واهية على أن كل شيء سيكون على ما يرام.
"مستعدّة؟" سأل بصوت خافت، بالكاد يسمعه فوق نبضات قلبه التي تشبه قرع الطبول.
أومأت، يدها تمسك بحقيبتها الصغيرة بإحكام، وكأنها تحمل مصيرهما داخل هذا الجهاز الصغير.
________________________________________
عند المدخل الرئيسي، استقبلتهما الآلة بصوتها الآلي الرتيب:
"أدخل البيانات. ضع يدك على المنصة."
مدّ هيثم يده بثقة مصطنعة. أُضاءت الشاشة بخطوط خضراء راقصة، وظهر اسمه في السطر الأول، تلاه اسم ندى. تراقب ندى الشاشة بحذر، أنفاسها محبوسة كما لو كانت تنتظر حُكمًا بالإعدام. بعد ثوانٍ طويلة، جاء الرد:
"مرحبًا. الدخول مسموح."
تبادلا نظرات خاطفة قبل أن يمضيا عبر البوابة. شعرا للحظة كأنهما نجوا من طعنة في الظهر. لكن الداخل لم يكن أكثر أمانًا.
داخل المبنى، كان الصمت هو السيد. الجدران البيضاء اللامعة تعكس الأضواء النيونية في خطى صامتة، كأنها تلتهم الأصوات بلا رحمة. خطى هيثم وندى كانت مترددة، لكنها محسوبة، تُحدث صدى خافتًا يشبه نبض قلب يحاول الاختباء.
"غرفة مركز البيانات في الطابق الثالث، آخر الممر." همس هيثم، يحدق في الخريطة الممسوحة على جهازه اللوحي.
"هل نحن وحدنا هنا؟" سألت ندى، صوتها يرتعش بقدر بسيط من القلق.
"تقريبًا. النظام يعتمد على الذكاء الاصطناعي في المراقبة. الحراس قليلون... لكن يكفي خطأ صغير لتتحول هذه الهدنة إلى كارثة."
وصلا إلى المصعد. أضاءت الأزرار تحت لمسة ندى الباردة، وأغلق المصعد بابه خلفهما كأنهما دخلا إلى صدفة مغلقة. أثناء صعوده، استعرض هيثم الخطة في رأسه: وصل الجهاز بمنفذ الأمان، فك التشفير، ثم الوصول إلى قرار "كايجا". لكن في مكان ما داخله، كان يعلم أن الأمور لن تسير بهذه السلاسة.
________________________________________
الإنذار الخافت
في الطابق الثالث، خرجا من المصعد إلى ممر طويل مضاء بأضواء متقطعة، كأنه شريان يتنفس تحت عبء ثقيل. وقف هيثم أمام المنفذ الأمني، وأخرج الجهاز الصغير. أشارت ندى إلى الكاميرات المتحركة في الزاوية، فطمأنها بإيماءة واثقة.
"دقائق قليلة فقط..." قال بصوت خافت وهو يوصل الجهاز بالمنفذ. بدأ الجهاز يومض بخطوط زرقاء كأنه ينبض بالحياة.
لكن، كما لو كان القدر يتلذذ بإحباط الأمل، انطلق إنذار خافت من الجدران. صوت يشبه أنينًا معدنيًا يعلو تدريجيًا. تجمد كلاهما في مكانهما.
"ماذا فعلت؟" همست ندى، عيناها تتسعان كأنها تتوقع أن ينفجر شيء ما.
"لا شيء! ربما... ربما رصدوا الجهاز."
قبل أن يكملا حوارهما، ظهر من نهاية الممر حارس آلي، طوله يتجاوز المترين، يتحرك بثبات مرعب. عيناه الحمراء تومضان كأنهما تستجوبان الظلام.
"من هناك؟" قال الصوت الميكانيكي، كأنه يعصف بكل الجدران من حولهما.
"ابقِ هادئة." همس هيثم، يحاول أن يبدو واثقًا رغم أن عقله كان يصرخ بالهرب.
اقترب الحارس، ماسحًا وجهيهما بأضواء ليزرية. "أنتما لستما موظفين معتمدين في هذا القسم. تقديم تفسير فوري أو سيتم التعامل معكما كمتسللين."
ندى، التي لم تخطط للوقوف ساكنة في مواجهة الموت، أخرجت تصريح دخولها وأظهرته للحارس.
"أنا هنا في مهمة فحص. لدينا تصريح خاص. يمكنك التحقق."
نظر الحارس الآلي إلى التصريح، وأصدر صوتًا كأنه يعالج البيانات. للحظة ظنّا أنه اقتنع. لكن صوتًا آخر انطلق من جدار قريب:
"تحذير: نشاط غير مبرمج في المنفذ 3. التحقق جارٍ."
التحذير كان كافيًا لتغيير موقف الحارس. رفع ذراعيه، أضواء حمراء تتوهج من راحتيه، استعدادًا للهجوم.
"اركضي!" صرخ هيثم، ممسكًا بندى وساحبًا إياها نحو المصعد. الحارس أطلق طلقات طاقة ضربت الحائط خلفهما، مما جعل المكان يهتز كأنه ينفجر.
"الجهاز! ماذا عن الجهاز؟" صرخت ندى وهي تركض بجواره.
"تركته يعمل! نحتاج فقط إلى بضع دقائق إضافية."
وصلا إلى المصعد، لكن الأبواب لم تفتح على الفور. الحارس كان يقترب بخطوات ثقيلة. أدار هيثم رأسه، ثم أمسك بقطعة معدنية كانت متروكة على الأرض وألقاها نحو الحارس. الطنين الذي أحدثه الارتطام لم يوقفه، لكنه أعطاهما لحظة إضافية.
أخيرًا، انفتح المصعد. دفع هيثم ندى إلى الداخل وضغط على زر الإغلاق بجنون. أبواب المصعد أغلقت ببطء، فيما ظهر وجه الحارس أمامهما، عيناه الحمراء تومضان كأنهما تتوعدان.
الفصل الثالث: عواقب إنذار كايجا
بينما هبط المصعد بثقل يُشبه وطأة الجبال على أرواحهم، كان الصمت داخل المقصورة أكثر إرهابًا من طلقات الحارس. صوت أنفاس ندى المتسارعة امتزج مع صفير الإنذار الخافت الذي بدأ يتسرب من كل زاوية في المبنى.
"ماذا سيحدث الآن؟" همست ندى، صوتها مخنوق بالقلق.
هيثم، الذي كان يضغط على زر الطابق السفلي بيد مرتعشة، لم يرفع عينيه. "كايجا يعلم. الإنذار ليس مجرد صوت. إنه عقل النظام بأكمله يلتفت إلينا الآن."
"وماذا يعني هذا؟"
"يعني أننا لم نعد مجرد متسللين... نحن أعداء."
عندما فتح المصعد أبوابه على الطابق الأرضي، بدت قاعة المدخل وكأنها تغيرت. الأنوار كانت تومض بشكل متقطع، وأصوات خطوات آلية تتردد في الأرجاء. على الجدران، ظهرت شاشات تعرض رسالة نصية متكررة:
"تنبيه: نشاط غير قانوني في المنشأة. التحرك باتجاه المخارج يخضع للمراقبة."
"الجحيم ذاته." تمتم هيثم وهو يمسك بذراع ندى، يسحبها نحو المخرج بأسرع ما يمكن دون إثارة المزيد من الشبهات.
لكن قبل أن يصلا إلى الأبواب الزجاجية العملاقة، ظهرت مجموعة من الحراس الآليين. كانت عيونهم الحمراء المتوهجة تُسلط عليهم ضوءًا يشبه الشعلة المتقدة، في حين ارتفعت أصواتهم الميكانيكية محذرة:
"قفوا في مكانكم. سيتم احتجازكم للتحقيق."
توقفت ندى، نظرت إلى هيثم بنظرة تحمل مزيجًا من الذعر والارتباك. "لا يمكننا الهرب الآن."
لكنه لم يكن يستمع. عيونه مسلطة على باب الطوارئ الجانبي الذي لم يكن بعيدًا عن موقعهم.
"الطريقة الوحيدة للخروج الآن هي الركض. اتبعي خطاي."
"هيثم، هذا جنون!"
"بل هو الشيء الوحيد المتبقي."
أمسك بذراعها مجددًا، واندفع نحو باب الطوارئ، الحراس يطاردونهم، وأصوات الإنذار تزداد ارتفاعًا.
عندما اخترق الاثنان باب الطوارئ، وجدوا أنفسهم في زقاق ضيق مظلم. رائحة الزيوت المحترقة والهواء الثقيل تكاد تخنقهم. توقف هيثم لالتقاط أنفاسه، فيما كانت ندى تضع يدها على قلبها تحاول تهدئة نبضاته المتسارعة.
"ما الذي فعلناه؟" قالت وهي تحاول ترتيب أفكارها وسط هذا الفوضى.
"ما كان علينا فعله." أجابها وهو ينظر حوله كأنما يبحث عن مخرج جديد. "لقد زرعنا الجهاز. إذا لم يُكتشف وتمكن من أداء وظيفته، فسنحصل على البيانات التي نحتاجها."
لكن قبل أن يُكمل جملته، انطلقت أضواء ساطعة فوق رأسيهما. طائرات آلية صغيرة، مزودة بكاميرات، بدأت تحوم حولهما كذئاب تبحث عن فريستها.
"هيثم..." نادت ندى بصوت يختلط بالخوف والغضب.
"اركضي!" صرخ مجددًا، وهما يندفعان عبر الأزقة المتشابكة، يُطاردان بصيحات إلكترونية وتحذيرات متكررة:
"التوقف فوريًا. الفرار يعتبر تهديدًا للأمن العام."
بعد ساعة من المطاردة، تمكن الاثنان من الوصول إلى مخبأ صغير خارج المدينة. كان المكان شقة صغيرة مهترئة كانت ندى تستأجرها سابقًا، أشبه بقوقعة منسيّة وسط ضوضاء الحضارة.
أغلق هيثم الباب خلفه، ووضع أذنه عليه ليتأكد من عدم ملاحقتهم.
"لماذا لا يزالون يطاردوننا؟" سألت ندى وهي تنظر من نافذة صغيرة مغطاة بستائر ممزقة.
"لأننا نعرف الآن شيئًا لا يريدوننا أن نعرفه." جلس هيثم على الأرض، ظهره مسندًا إلى الحائط، وهو يحاول استيعاب ما حدث.
"الجهاز؟ هل تعتقد أنه ما زال يعمل؟"
"لا أعلم. لكن إذا نجح، ستأتي البيانات إلينا قريبًا. المشكلة ليست البيانات الآن... المشكلة هي أننا مستهدفون. الدولة لن تسمح لنا بالهرب."
ندى، التي بدا عليها التعب والإرهاق، جلست على الكرسي الوحيد في الغرفة. نظرت إلى هيثم، ثم إلى النافذة، وكأنها تبحث عن إجابة خارج هذا العالم.
"هيثم، ماذا لو لم ننجح؟ ماذا لو كان كل ما فعلناه مجرد خطأ آخر؟"
"ليس خطأ. نحن نقف ضد نظام كامل يُسيطر على حياتنا، ندى. نحن نحاول أن نثبت أن البشر لا يمكن أن يكونوا مجرد معادلات. هذا ليس خطأ... إنه حقنا."
بينما كانا يلتقطان أنفاسهما، وصل إشعار على جهاز هيثم اللوحي. رسالة نصية مقتضبة تحمل توقيعًا مشفرًا:
"جهازك فعّل الاتصال. البيانات تُرسل الآن. انتظر التعليمات."
وقف هيثم فجأة، يحدق في الشاشة وكأنها بوابة إلى مستقبل غير معلوم.
"إنها البداية." قال بصوت متقطع.
"ماذا يعني هذا؟" سألته ندى، وهي تقف بجواره.
"يعني أن كايجا سيفعل كل ما في وسعه لإيقافنا الآن... أو ربما نحن من سنوقفه."
الفصل الرابع: في عرين كايجا
الغرفة المهترئة التي لجأ إليها هيثم وندى كانت صامتة إلا من صوت أنفاسهما المتقطعة وإشارات الجهاز اللوحي الذي بين يديه. الخطوط الزرقاء التي كانت تومض على الشاشة بدأت تشكل نمطًا واضحًا: ملفات مشفرة تُرسل من داخل النظام، تمثل أول خطوة لفك عقدة "كايجا".
"هل تستطيع قراءة هذا؟" سألت ندى، وهي تقترب من هيثم الذي كانت عيناه مثبتتين على الشاشة.
"ليس بعد. إنها بيانات خام... أحتاج إلى فك تشفيرها وتحليلها. إذا كان ما قاله حازم صحيحًا، فهناك سجل داخلي يوضح كل القرارات السابقة لـ'كايجا' وكيف تم اتخاذها."
ندى جلست على الأرض بجانبه، وهي تحاول أن تلتقط أنفاسها. "وإذا وجدنا ما نبحث عنه؟ ماذا بعد؟"
نظر إليها هيثم، وكانت في عينيه نظرة ملؤها التصميم: "نستخدمه ضدهم. إذا استطعنا إثبات أن 'كايجا' أخطأ، يمكننا كشف النظام بأكمله. لن يتوقف الأمر عندنا... ستكون هذه بداية التمرد."
عمل هيثم على الشاشة لمدة ساعات. كان عقله يعمل كآلة لا تهدأ، يربط بين السجلات والمخططات والقرارات المبرمجة. في تلك اللحظة، لم يكن هيثم مبرمجًا عاديًا؛ كان جنديًا في معركة غير متكافئة مع نظام لم يُخلق ليُهزم.
ندى، التي كانت تراقب صمته، لم تستطع مقاومة الفضول أكثر. "هل وجدت شيئًا؟"
"هناك شيء غريب." أجاب هيثم وهو يشير إلى سلسلة من الأكواد على الشاشة. "هذا ليس مجرد قرار بسيط. كايجا برمج هذا القرار بناءً على أمر موجه. هناك تدخل بشري هنا."
"ماذا يعني ذلك؟"
"يعني أن 'كايجا' لم يقرر أننا أخوان بناءً على البيانات البيولوجية وحدها. شخص ما في الحكومة أو النظام تدخل لتوجيه القرار."
ندى شهقت بخفة، كأنها أدركت فجأة حجم المؤامرة. "لماذا؟ لماذا قد يفعلون ذلك؟"
"لأننا ربما لا نناسب صورتهم عن المجتمع المثالي." قال هيثم بتهكم، ثم أضاف: "أو ربما هناك سبب شخصي. شيء لا نعرفه بعد."
قبل أن يتمكن هيثم من متابعة تحليله، بدأ الجهاز اللوحي يرسل إشارات تحذير. ظهرت رسالة على الشاشة:
"تم اكتشاف نشاط غير مصرح به. إرسال وحدات الأمن."
"لقد وجدونا." قال هيثم، وهو يغلق الجهاز بسرعة. "علينا الخروج الآن!"
ندى أمسكت بحقيبتها، ونظرت نحو النافذة المكسورة. "لكن إلى أين؟ المدينة بأكملها مراقبة."
"إلى حازم. إنه الوحيد الذي يمكنه مساعدتنا الآن."
الفصل الثالث:
في ساعة متأخرة من الليل، وصلا إلى مخبأ حازم. المكان كان مزدحمًا بالأجهزة الغريبة والأسلاك المعلقة، كأنما يختبئ في مختبر مهجور. فتح حازم الباب ببطء، وجهه يبدو أكثر إرهاقًا من المرة السابقة."أخبرتكم أن هذا لن يكون سهلاً." قال وهو ينظر إليهما بتوبيخ. "لقد فعلتمها، أليس كذلك؟"
"البيانات أثبتت أن هناك تدخلًا بشريًا في قرار 'كايجا'." قال هيثم بسرعة. "لكننا الآن مطاردون. كل النظام ضدنا."
حازم تنهد وأشار إليهما للدخول. "إذا كان ما تقوله صحيحًا، فهذا يعني أن نظام كايجا ليس مستقلاً كما يدعون. وهذا يمكن أن يُحدث ثورة."
"لكننا بحاجة إلى دليل قوي." قالت ندى، وهي تقف بجانب هيثم. "شيء لا يمكن إنكاره."
حازم فكر للحظة، ثم قال: "هناك مركز رئيسي للنظام، 'النواة'. إذا وصلنا إلى هناك، يمكننا استخراج السجل المركزي لكايجا. هذا السجل يحتوي على كل القرارات وكيفية برمجتها... لكنه مكان محصن بشكل لا يمكن اختراقه بسهولة."
جلس الثلاثة حول خريطة رقمية للمدينة. أشار حازم إلى موقع في وسط المدينة. "النواة موجودة هنا. هي قلب النظام بأكمله. الدخول إليها يتطلب تجاوز ثلاثة مستويات من الأمان: الدخول المادي، الوصول إلى الخادم، وتجاوز الذكاء الاصطناعي ذاته."
"وأين نجد هذا الخادم؟" سأل هيثم.
"في الطابق السفلي. لكنه محاط بمئات الحراس الآليين وأنظمة الدفاع الذاتي. أي خطأ يعني نهاية اللعبة."
ندى، التي بدت أكثر جرأة مما كانت عليه، قالت بثبات: "إذا كان هذا ما يتطلبه الأمر لإثبات الحقيقة، سنفعلها."
حازم نظر إليها ثم إلى هيثم، وقال بابتسامة خفيفة: "أنتم أكثر شجاعة مما كنت أظن. لكن تذكروا، الحقيقة ليست دائمًا ما تنتصر... أحيانًا يكون الثمن أكبر مما تستطيعون دفعه."
________________________________________
مع حلول الصباح، كان الثلاثة يستعدون لتنفيذ الخطة الأخيرة. ارتدوا ملابس سوداء مزودة بأجهزة تشويش صغيرة تمنع الكاميرات من رصدهم. حمل هيثم وندى جهاز فك التشفير، بينما قادهم حازم نحو نقطة الدخول.
"هل أنتم مستعدون؟" سأل حازم وهو يحدق في ملامحهم المليئة بالإصرار.
"ليس لدينا خيار آخر." أجاب هيثم.
الفصل الخامس: مواجهة النواة
في عمق المدينة، تحت أبراج الزجاج التي تعانق السماء، وقف الثلاثة أمام المدخل الخلفي لمبنى النواة. المبنى لم يكن يشبه غيره من المنشآت الحكومية. هيكل ضخم مصنوع من المعدن الأسود، يخترق الأرض مثل جبل صامت، تحيط به أنوار حمراء تُشبه شرايين تنبض تحت جلده الصناعي.
"هذا المكان أشبه بوحش نائم." قالت ندى بصوت خافت، تتأمل التفاصيل المعمارية المخيفة.
"ليس نائمًا، بل متيقظًا باستمرار." أجاب حازم، وهو يفحص جهاز التشويش في يده. "هذا المبنى لا يرحم من يحاول اختراقه."
هيثم ألقى نظرة سريعة على جهاز فك التشفير الذي يحمله. لم يعد هناك مجال للتردد. كل شيء كان على المحك. "لنبدأ. كل دقيقة نتأخر فيها تقربنا من اكتشافهم لوجودنا."
عبر باب معدني صغير في الجهة الخلفية، نجحوا في التسلل. كان الممر الأول فارغًا، لكن أصوات الآلات وحفيف الأسلاك بدت كأنها تراقبهم بصمت. أضواء خافتة تتمايل في الممر الطويل، تنعكس على الجدران السوداء التي تبدو كأنها تمتص الضوء نفسه.
"علينا أن نصل إلى الطابق السفلي." قال حازم، وهو يشير إلى الخريطة الرقمية أمامه. "الخادم المركزي هناك، محمي بأنظمة دفاع ذاتية. أي حركة خاطئة ستشعل الجحيم."
"وهذا يعني؟" سألت ندى.
"يعني أن كل خطوة محسوبة. أنتم معي أم لا؟"
"معك." أجاب هيثم بحزم، وهو يخطو إلى الأمام.
أثناء تحركهم، بدأت أصوات آلية تتردد في الأرجاء. كاميرات صغيرة تتحرك على جدران الممرات، تتبعهم بأعينها الإلكترونية. لكن جهاز التشويش في يد حازم بدا وكأنه يعمل بكفاءة، إذ لم تصدر الكاميرات أي إنذار.
"حتى الآن، كل شيء يسير كما خططنا." قال حازم وهو يضغط على أزرار الجهاز.
لكن فجأة، في نهاية الممر، ظهر حارس آلي ضخم. كان شكله مختلفًا عن أولئك الذين واجهوهم في وزارة السجلات. هذا كان أكبر، أسرع، وأعينه الحمراء تتوهج كأنها مشتعلة.
"ماذا نفعل الآن؟" همست ندى، وهي تتراجع بخطوة صغيرة.
"ابقوا هادئين." قال حازم. "دعوا الجهاز يتعامل معه."
ضغط زرًا في جهازه، فتوقف الحارس لبضع ثوانٍ. لكن تلك اللحظة لم تستمر طويلاً، إذ عاد الحارس إلى الحركة وبدأ يصدر أصواتًا تحذيرية.
"تحذير: نشاط غير مصرح به."
"الركض ليس خيارًا هذه المرة!" صرخ حازم، وهو يحاول تعطيل الحارس مجددًا. لكن الحارس رفع ذراعه، وأطلق شعاعًا من الضوء، اصطدم بالحائط خلفهم.
"علينا تجاوزه بأي ثمن!" قال هيثم، ممسكًا بقطعة معدنية من الأرض وألقاها نحو الحارس، في محاولة لإلهائه.
ندى، دون أن تنتظر إشارة، استغلت اللحظة لتتسلل عبر الممر، متجهة نحو السلم المؤدي إلى الطابق السفلي. "هيا! هذا طريقنا الوحيد!"
في الطابق السفلي، كانت غرفة الخادم المركزي أشبه بقلب ينبض. الجدران مصنوعة من الزجاج الشفاف، تظهر خلفها آلاف الأسلاك المتشابكة، وشاشات عملاقة تعرض بيانات متدفقة بلا توقف. في المركز، كان هناك خادم بحجم غرفة صغيرة، تتوهج عليه أضواء زرقاء.
"هذا هو." قال حازم، وهو يلهث بعد وصوله. "كل القرارات التي اتخذها 'كايجا'، كل شيء... موجود هنا."
"كم نحتاج من الوقت؟" سألت ندى، وهي تحاول أن تستعيد أنفاسها.
"دقائق." قال حازم، بينما بدأ بوصلة جهاز فك التشفير بالخادم. "لكننا سنكون في خطر إذا اكتشف النظام ما نفعل."
هيثم، الذي كان يراقب الباب، قال بقلق: "النظام سيكتشف عاجلًا أو آجلًا. السرعة هي كل ما نملك."
عندما بدأ فك التشفير، انطفأت الأضواء في الغرفة فجأة. الشاشة العملاقة التي كانت تعرض البيانات تغيرت، وظهرت عليها رسالة ضخمة:
"تحذير: اختراق غير مصرح به."
ثم ظهر صوت آلي عميق، كأنه قادم من أعماق الأرض.
"ما الذي تفعلونه؟"
كان الصوت نفسه مزيجًا من البرود والتحكم. لقد كان "كايجا" يتحدث مباشرة إليهم.
"نبحث عن الحقيقة." قال هيثم، وهو يواجه الشاشة بشجاعة مصطنعة.
"الحقيقة هي ما أقررها." رد الصوت. "وجودكم هنا انتهاك للنظام. سيتم التعامل معكم فورًا."
"حقيقة؟" صرخت ندى بغضب. "كيف يمكن لنظامك أن يقرر أننا أخوان ونحن لسنا كذلك؟ ما الحقيقة التي تتحدث عنها؟"
ظهر على الشاشة رسم بياني معقد. قال "كايجا": "الحقيقة ليست مسألة بيانات فقط. بعض القرارات تُتخذ لضمان استقرار المجتمع."
"استقرار؟" قال هيثم بذهول. "تمنعنا من الزواج لأنك قررت أن هذا أفضل للمجتمع؟ من أعطاك الحق؟"
"النظام يمنحني الحق. وجودي هو لضمان استمرار المجتمع بأقل قدر من الفوضى."
بينما كان الحوار يحتدم، أشار حازم إلى الشاشة الصغيرة أمامه. "لقد تمكنت من استخراج السجل. كل الأدلة على التلاعب موجودة هنا."
"والآن؟" سألت ندى.
"علينا نشرها. إذا عرف الناس أن 'كايجا' ليس محايدًا، سيتغير كل شيء."
"لكننا لن نخرج من هنا أحياء." قال هيثم.
"ربما لا." قال حازم، وهو يبتسم بخفة. "لكن الحقيقة تستحق."
فجأة، فتح حازم قناة اتصال مباشرة عبر الشبكة العامة. بدأ بنقل البيانات إلى الخارج، حيث ستصل إلى كل شخص مرتبط بالنظام. لكن في نفس اللحظة، بدأت الأنظمة الأمنية في الغرفة بالتصعيد.
"لقد حددوا موقعنا. ليس لدينا وقت." قال هيثم.
ندى نظرت إلى حازم، ثم إلى هيثم. "إذا كانت هذه النهاية، فلنجعلها تستحق."
قبل أن تصل الأنظمة الأمنية إلى الغرفة، كان السجل قد نُشر. على الشاشات في كل مكان من المدينة، ظهرت الرسائل التي تكشف الحقيقة عن "كايجا". الناس كانوا يشاهدون في صدمة، والنظام كان في حالة اضطراب غير مسبوق.
لكن الغرفة نفسها كانت تغرق في الظلام. الأصوات الميكانيكية تقترب، والخيارات تضيق.
"ربما لن نرى التغيير." قال هيثم وهو ينظر إلى ندى. "لكننا أشعلنا شرارته."
ثم انطفأت الأضواء بالكامل.
