📁 آخر الأخبار

النص/ رواية كناش الوجوه لكاتبها عبد العزيز العبدي، الجزء الأول

رواية كناش الوجوه

 قررت أن أتوقف عن ممارسة لعبتي : كتابة الحب في مقصورة الطائرة، وقررت أنأسحبك من يديك كي أغتالك في جب النص الذي أصبحت أعشقه، نص هذاالوهج الذي يندلق على جسدي، كعسكري كسول، ينهره رئيسه ويأمره بترتيبقمامات الثكنة... 


قررت ألا ألقاك، قبل أن تطرحي سؤالك عما إذا كنت أرغب في لقائك، هيمحاولة لتكثيف هذا الوجع، وتوجس من هواء ملوث يصيب صورا من عسلنرسمها بكثير من لسعات النحل... 


قررت أن أتعرف عليك في حدود الخطوط الافتراضية، فبحثت عنك في مواقععديدة، كنت متناثرة هناوهناك، كشهب مضيئة، وكانت هناك نيازك غريبة، لكنهامفعمة بالأرجواني الذي جعلته لونا لبهائك، ضاغط ومؤلم هذا الحضور الثقافيلشخصك، في مقابل الكثير من أميتي ومن سذاجتي... 


قررت كذلك ألا أنتظرك على بوابة الفايسبوك، لأنني بالأمس، أمضيت ساعاتطويلة، وأنا انتظر أن تخضر أيقونتك على لائحة الأصدقاء ولم يحصل ذلك. بعثإليك برسالة قصيرة، وتمنيت لك فيها أن تكوني بخير، كنت اعرف أنك بخير، فقطانشغلت عني بما هو أهم في حياتك. لكني، وكطفل صغير، قررت أن أقتطعجزءا من الاهتمام لي، دون وجه حق وبعناد مقصود... 


كان جوابك قاسيا وقاتلا: صباح الخير صديقي، عندي أشغال، لكنه كانمطمئنا، ومفرحا، كمن توصل من حاكم البلاد، بقرار إعدامه، لا يهمه الموتبقدرما يهمه قرار الحاكم... 


بقيت متصلبا أمام الحاسوب، أنتظر اخضرار أيقونتك، والحديث إليك، لم تأتفي ذلك اليوم، كأنك تعمدت الغياب، وتعمدت صلبي على خشب المكتب... 


قررت أن اكتب إليك وجعي، أتوسم فيك الكثير من الكتمان، وأتوجسك مضماراطويل المسافة، على حد تعبيرك... 


سأركض ملء نفسي، وستركضين معي في دروب عديدة، حد قطع النفس، سأقطع أنفاسك ركضا، لا شهوة، هل سأشتهيك يوما ما ؟


عادة لا تجيبين عن أسئلتي، تهربين بالأسئلة حيث ينمو ياسمين اللغة، كنتكالأبله، أعد ورقات زهور الياسمين، كي أمنحك ثقة الكيد... 


قررت أن لا أكلمك في الهاتف، صوتك يوقظ في دواخلي كل طيور البجع وهيترسم بمنقارها أصواتاً تزيد الماء صفاء... 


لن أكلمك، لأن الهاتف انضم إلى الجغرافيا والتاريخ في تخريب كل ممكناتالتواصل، ينقطع على حين غرة ونحن في شلال الكلام عن الوجع بالتفاف غريب، ينقطع وأنا في محراب الحديث عنك بكل شموخ القديسة، وينقطع، وبي ذلكالشلال الهادر من الرغبة في البوح لك وفي البوح بك...  


قررت أن أكتبك، وأن اكتب لك وعنك، أن تكوني أول من يقطف تفاحة العودةلغواية الكلمة، أو آخر انتكاساتي في خمارة الأدب هذه، انت التي دعوتنيللسكر بما هجرته من أقداح الكلمات، فاقبلي عربدتي على المتخيل، من جسدكومن حزمة الضوء التي أختلسها من صورك...  


سألتني سابقا إن كنت لا أكتب أدبا، وأنت تشمين رائحة المجاز فيما أقترفه منجرائم في مقالاتي السياسية، كذبت عليك، وكذبت بك... 


كتبت شعرا، وكتبت قصصا، كتبت للألم الذي يحيط بدروب مدينتي، كتبت عنالوطن، كما يكتب المحارب رسالته الأخيرة، كتبت عن نساء أحببتهن بصدق،دحرجتهن كثمار الكمثرى إلى سريري، وأفرغت سكوني المطرز بشهقاتهن فيأحواضهن الخصبة... 


ثم قررت أن أحرق كل ما كتبت، وأن أحرق أقلامي، وأوراقي البيضاء... 


أحرقت قوارب كانت تبحر بي في شرود اللغة والمعنى، ما عادت بي الحاجة كيأكتب أحدا، ولا أن أكتب لأحد... 


تمدين لي لحاءا من خشب الرغبة، وتأمرينني بالإبحار في يم البوح المطرزبالحروف... 


قررت أن انتحر، ألف عنقي بحبل تظفرين جدائله من وهج كينونتك، وأهوي فيفضاء اللغة لعلي أعيد للروح موتها الأبدي، أعيد للقارب ارتطام الموج بجرحه، كيف لي أن أستعيد قصائد أبنائي من ورق تحلل في تربة النسيان ؟ كيف ليأن أبحر بورق اللحاء الهش الذي تمدينه لي، بكثير من الصدود وبالكبرياءالفاضح... 


قررت أن أشرع ذاكرتي للريح، لينثر منها ما يشاء على بياض الورق، أو لينثرهاكلها بردا أبيض على سمرة جسدك، بنفس فوضى توجسنا ونحن نهيئ الحفرلبعضنا، دون تواريخ وبأحداث غير مرتبة، بين واقعة وأخرى، أدفعك بمهل كيتسقطي في حافة غوايتي، تسقطين بفرح، وتختبئين وراء حزم زائف وغضبفِرحٍ... 


كنت تحبين التدحرج وإياي إلى هاوية اللغة، وفي محاولة مد جدار الكبرياء،تشهرين حزمك الأكاديمي، وتودعينني... 


أنام ضاحكا كمنتصر صغير... 


متى تعرفنا على بعضنا ؟


لماذا عرفتك ؟ أو لماذا عرفتني ؟ 


أصبح موقع الفايسبوك مثل المدن المعلقة في سرد الروائيين، شوارع وأزقةتتقاطع وتتوازى مع بعضها وضد بعضها، هناك حيث ضربتُ أوتادا لخيمةاستدعيت لها كل الذين يمرون أمام فتحاتها المشرعة كتنورة امرأة غاوية، لاأدري ما الذي جذبك لجنون الجذب بداخلها، أو لعله الجذب لذاته من أغواك... 


لا أتذكر الكلمات الأولى، لكنني أتذكر التخمينات الأولى، فخاخ الغواية التيأنصبها هاوية وجعي الطفولي وأنا أنبهر بالأنثى المنفلتة من طقوس الخنوعوالاختفاء...




الفصل الثاني: 



كانت "الحاجة" التي تقود سيارة الفياط بمدينة الخميسات أول امرأة أحبها،كنت طفلا صغيرا، بأحلام أكبر من محفظة كتبي، وكانت الرغبة تأخذ شكلقطع الحلوى وقبلة على الخد، لم تمنحني "الحاجة" أيا منهما، لا قطع حلوىولا قبلة على خدي، وخمنت وقتها أن "للحاجة" فارساً آخر، أكبر مني سنا،وأضخم جثة،  


وربما يقود سيارة بدوره... 


كنت اعتقد أن الحب مرئي نيشان على جبين المحب، وبسذاجة كنت أضعنفسي في طريق سيارتها، لعلها تنتبه لقدرها الموشوم على جبيني، أبحلق كثيرافيها وهي تمر من أمام جبيني بتؤدة، تقود ببطء، ربما لدهشتها وخوفها،وربما لسوء حالة الطرق التي كانت عليها المدن في ذلك الزمن... 


لا تنتبه "الحاجَّة " لوجودي على قارعة الطريق، تخترق أحشائي سكاكين الألم،لامبالاتها كانت تعيدني لحجمي الطبيعي، طفل صغير أو أقل، وأحلم في قرارةنفسي بأقراص طبية، وآلات من عالم الرسوم المتحركة، تمكنني من الكبربسرعة، لعلني ألفت انتباهها، لعلني أكون حبها الأخير، ولعلها تكون حبيالأول... 


ولهي "بالحاجة"، التي عرفت فيما بعد، حين كبرت قليلا، أنها كانت تدير شبكةللقوادة، كان مرتبطا بما لا تفعله كل النساء، قيادة السيارة، كان الفعل وحدهرمزا لتحررها، واكتشفت أنني أحببت تحررها، لا شخصها... 


صاحبني ولهي بنساء متميزات في كل مسار اختياري لعشقي، كنت صريعاحين أواجه ذكاء امرأة ثاقب، أو جرأة امرأة تكسر طابوهات مجتمع لا يحياسوى بأغلال يضعها على معصم نسائه... 


اختياراتي كان أغلبها فاشلا، ربما لاعتمادها هذا المعيار بالضبط، وحينأمسح السبورة من تفاصيل امرأة ما، وأقرر الانخراط في عملية الانتخابالطبيعية، أطلق العنان لتفاصيل الجسد وما نَحَتَهُ تخلف المجتمع من شروطالارتباط الواقعية، تحدث كوارث بحجم الجروح الكبيرة، تلك الجروح التي تتركندوبا في الذاكرة، وتجعلك تتوجس من كل نفق يقودك لسرير امرأة... 


كان حديثك عن تخصصك، جهرا بالنداء كي يستفيق الطفل الذي تمتلكه حمىأنثى تُكسِّرُ سقوف غرفها الضيقة، أكتشف أن وراء، ابتسامتك الافتراضية،ونظرتك الشاردة، ذكاء غاوياً... 


لماذا أنت الآن وراء الحاسوب في عمق هذا الليل ؟


كيف لا يكون كل هذا الوهج، مصباحا يضيئ عتمة رجل ما ؟


أسئلة بليدة تنتابني لدحرجة امرأة ذكية إلى هاوية الغواية، كانت أجوبتكمتاريس تمنعني من التقدم في ميدان معركة اعتبرتها مفتوحة على انتصاراتكبيرة، فإذا بأسلحتي تخونني، وأندحر منهزما كأي محارب فاشل... 


أصبحت المواقع الاجتماعية للتواصل ملاذا لنساء راكمن الكثير من الصدأوالكلس على رغباتهن، يبحثن فيه عن رجل غريب ينفض غبار الإهمال عنمكامن الشهوة فيهن، يستدرجنه من وراء الستار الزجاجي للحاسوب، نحوآسرة الشهيق المنقطع والبوح الشافي...  


نساء استنفذن مدة الصلاحية في سرير بعولهن، أو أن بعولهن بحثوا بدورهمعن نوافذ أخرى مشرعة، بعطور غير التي ألفوها في منازلهم، وتركوا نساءهموحيدات، يحاربن برد الفخذين، ووحشة النهدين بالتأمل المفضي إلى البحث عنذات المنافذ المشرعة على الرغبة والانكسار... 


كان المدخل خاطئا، كان الباب موصودا... 


لم يكن مجيؤك للفايسبوك بحثا عن ملء دروب الوجع المنحوتة بالرغبة، ولا بحثاعن هواء ساخن يلامس بشرة تشققت ببرد الهجر، ونحيب حمام الشوق لجذبالجسد المهجور... 


في صعود عبر تواريخ صفحتك، أبحث عن لحظة ميلادك الافتراضي، انتبهتكثيرا لجرائمي وهي تزين حائطك، كنت ربما أسحرك بما أكتبه شغبا عنالسياسة... فأضحيت مسحورا بما تكتبينه بي عنك... 


جئت إلى هنا، لأن الوطن برمته جاء إلى هنا، جئتِ عادية، مشدوهة باللهبالذي أحرق البوعزيزي في مدينة سيدي بوزيد، جنوب تونس، كيف واصلإحراقه لهشاشة أنظمتنا ببنزين الفايسبوك... 


جئت إلى هنا، لأن الثوار في تونس خرجوا من بين خيوط السيليكون، المطرزةبأزرق الموقع الافتراضي، كي ينتقموا للبوزيدي، ويطردوا صنما عشش علىقلوبهم منذ زمن طويل... 


جئت إلى هنا، لأن في مصر، كانت صفحة خالد سعيد، تعد الحطب، والزيت،والفتيل وعود الثقاب، لتحرق كل صفحات الذل والهوان التي كتبها الطغاة،تاريخا لأرض الكنانة... 


جئت إلى هنا، أياما قليلة على نزول شباب الوطن، كي يفكوا حبل الجمودوالوهن الذي يطبق على جيد البلد رويدا رويدا، ويصرخوا عاليا ضد تعليبفرحنا الذي بنيناه سجونا واختطافات واعتقالات ثم مصالحة وهواء نقيا وكثيرامن الحرية، 


كان مجيؤك نضالا، لا بحثا عن الغواية... 


كان ذلك فاضحا في بدايات نقش حضورك على صفحات الفايس بوك...  


هل أصابك الآن الوهن ؟ هل هي خيبة الربيع العربي التي نشعر بها، نحنالذين تركنا الوطن بين أيدي رعاة البقر، وتجار اللوحات الاشهارية، وتواريناوراء الوراء، نبني مجد أبنائنا في المدارس الخصوصية، ونبحث عن رخام نؤثثبه مساكننا الثانوية... 


هل هو ذات الوهن، الذي أصاب الكثير من الرفاق، بعد أن اختزل قادتنا،حريتنا في حق الشتيمة التي منحتها إياها الدولة، وتفرقوا على موائدهاوخماراتها، ينشجون "تونستنا" بفزاعات أحزاب تصنع في الليل ويقدم لهاعلف وبرسيم، لتغدو في بدايات الصباح بعبعا يخنق كل المسام التي فتحناهالتهب نسائم الحرية، بكثير من نزيف دم الشهداء ومصائر المجهولين... 


جاء شباب العشرين من فبراير، كي يحملوك من داخل شرنقة من خيوطاهتماماتك الصغيرة، إلى حضني الافتراضي... 


لم يكن مجيؤك بحثا عن الغواية... 


كان مجيؤك كل الغواية... 


لا يعني هذا أنه لم يكن هناك برد في قلبك، أو أنه لم تكن بك الرغية في أنيمسك رجل غريب بخصرك، ويهمس، تحت شحمة الأذن، حيث يرقد قرطكالفضي بشموخ، قصائد تدفئ القلب، لا يعني هذا أن نهديك لم يكونامتوحشين، كالصخور البرية المهجورة في أعلى قمة، لأطول جبل، وكان يكفيقليل من النار وقطرات من لعاب لسان كي تتشقق كل صفائح الكلس التي تقبروحشتك، عن صراخ يعلن فرحتك... 


لا يعني هذا أنك سعيدة كما أجبت وكما لم أصدق جوابك... 


لست سعيدة، هكذا خمنت


هناك دائرة فارغة تجذبني إليها... 


لا يمكن أن تحب امرأة سعيدة، لأنها مُشْبعةُ حتما بحب يحميها ويلهمها، ومنالواجب أن تبتعد عنها كي لا تكسر سعادتها، أو على الأقل كي لا تحزنهابفقدان سعادتها... 


لا يمكن أن تحب امرأة تعيسة، لأنك ستكون رافعا للألم لا غير، ولأنها تعيسةبفعل هزيمتها في حب سابق قبلك... 


عليك أن تحب امرأة عذراء، عليك أن تحب مريم، لا غير...


انتظرتك هذا الصباح، ككل يوم... 


أعرف أنك متواجدة خلف مرآة حاسوبك، بي رغبة كبيرة في الحديث إليك، رغمقرارات الامتناع التي اتخذتها سلفا... 


كنت أرغب في إخبارك، بأننا قضينا الليلة سويا، أمسكت بيدك، كي أطرد عنكشرطي التردد، وسحبتك برفق إلى كنبة تحت شجر السرو، بجانب بركة ما، 


الفضاء خال إلا من خيالنا... 


سكون محرج، وأزيز ماء منفلت بصعوبة من ماسورة معطلة يخلق موسيقىرتيبة... 


ضوء خافت يؤثث زوايا الحلم... 



كيف أزين مصابيح الصمت، كي تضيء شرود عينيك ؟


لا شيئ يغوي امرأة ذكية، سوى الكلام،


وأنا أصبت لحظتها بالخرس،


أمسكت رواية ذاكرة الجسد، لأحلام مستغانمي، واقترحت عليك أن أبحث عنكبين صفحاتها...


كانت اللعبة مفاجئة، لكنها قصيرة... 


كلما لمست صفحة، ارتعش جسدك... 


كلما قرأت سطرا، تتهدل خصلات شعرك على مرمى النظر، كانت عينايمخبأتين في شعرك القصير... 


كنت في كل تفاصيل الرواية، أقرأ مقطعا، ستذكرينه، وتدهشينني بقدرتك علىاسترجاع مقاطع أخرى، قبله أوبعده... 


كنت تركضين في تفاصيل الرواية، فرسا جامحا، ترفع حوافرها ضد الرتابة،وتدهشينني... 


كانت اللعبة قصيرة، ثم هجم الصمت على رعشتنا... 


لا أذكر أنني قبلت شفتيك، لكن فمي أصبح بطعم البنفسج... 


أذكر أنه من فرط الدهشة، استيقظت... 


كنت أود الحديث وإياك عن حلمنا هذا، فاستوعبت بعد أن فركت أعيني بالكثيرمن الماء والصابون، أنه لم يكن سوى حلمي... 


كنت ضيفة منامي بالأمس، وكنت سعيدا باستضافتك... 


نفس سعادتي حين استضفتك في لائحة أصدقائي على الفايسبوك... 


رفضت لقاءك، كي لا أمارس شغبي على تضاريس جسدك، يعتريني الندم، لأنهكان علي أن ألقاك، للقاء فرصة تعيير الجسد لا غير، لا أصدق أننا نلتقي كينتعارف أكثر، نلتقي كي أتأمل خصرك، وتتأملين صدرا ستدفنين فيه كلانكساراتك... 


كنت أغبطك، وأعلن ظلم الغواية، فصوري منثورة في صفحتي... 


حذرك الثعلبي، أملى عليك أن لا تضعي سوى صور يتيمة... 


كانت صورتك تغوي من يندهش لكبرياء نساء حفرن جمالهن بعقولهن... 


وكنت جميلة بكل المقاييس... 


كنتِ بجمال امرأة أحببتها رجلا لا طفلا، الصدفة البليدة وحدها هي التيجمعت بين تشابه الأسماء، كان لها نفس الاسم الذي تحملينه، والتشابه الذيلا يشبه الصدفة، كان تعلقي بذكائها وباجتهادها الدراسي، كان إعجابيبطريقة تفكيرها وشخصيتها ممرا للرغبة فيها... 


 


الفصل الثالث: 



كانت طريقتنا في الحب تشبه سذاجتنا... 


كان الحب رافعة أنقذتني من تشرد مبكر، مدين له بالكثير من نجاحاتي بنفسالقدر الذي أحمّله مسؤولية العذاب الذي احمله في جفوني، أبكاني فيمنعرجات كثيرة، وأضحكني إلى حد الجنون في سهول الرغبة والاطمئنانوالجنون والصراخ... 


أذكر أنني أصبحت عالم رياضيات بفعل امرأة أحببتها... 


كنت الأخير في فصل دراسي يجمعني بفتاة ستصبح لسنوات فانوس طريقيالذي يبدد العتمة. وكانت مادة الرياضيات تمثل لي العقبة الكأداء في الحسمفي مشواري الدراسي برمته... 


لماذا يدرسون الرياضيات، وما فائدة أن تحل معادلات افتراضية لا أساس لهامن الواقع، الأستاذ، الذي يعاني إعاقة في رجله اليسرى، وبعينيه حول خفيف،غريب الأطوار، يختزل دروسه في جمل قصيرة، يكتبها بكسل على السبورةالسوداء المهترئة، وينزوي في آخر الفصل، ليباشر هوايته، التي سيتخذها حرفةله بعد تقاعده القريب، كان يصلح الأجهزة الالكترونية، ويوزع أوراق الفروضحسب ترتيب الاستحقاق اللعين... 


كنت الأخير الذي يتسلم ورقة فرضه، لأنها كانت فارغة إلا من نقطة الصفر التيكنت استحقها غالبا، وكانت كلمات الاستهزاء التي يوجهها لي الأستاذ أقلإيلاما من نظرات الفتاة التي عشقتها، وكان لا بد لمارد الحب أن ينتفض ضدبشاعة الاحتقار والذل... 


قررت أن لا تكون هذه اللعينة المسماة رياضيات صليبا يعلق عليه كبريائي، إذيحدث أن تتحول نقط ضعفنا إلى قوة، فقط، لأننا نحب، حتى لوكنا نحب بشكلخاطئ... 


اقتنيت كل مراجع هذه المادة، في كل مستوياتها، واعتكفت في غرفة صغيرة... 


لا شيء يمنع من تَمَّلُكِ هذه المادة، ما دام هناك في العالم من يتملكها... 


بعد شهرين كنت الأول من يسلمه الأستاذ ورقة فروضه، كان الطقس احتفاليا،إذ حاول فهم ما جرى، حكيت له كيف قررت أن أتملك مادة الرياضيات، لكننيلم أبح بالوقود الذي أشعل نار هذا التحدي... 


بكيت يومها من حرقة الفرحة، أحسست بالفتاة تملؤني، وشعرت بأنني ملكتوجدانها... 


تخر المرأة الذكية صريعة لحماقات رجل يحبها، لم أكن سوى مجنونٍ آخر فيطابور العاشقين... 


رافقتني الفتاة والرياضيات لسنوات عديدة، لتصبح الأولى زوجتي والثانيةشهادة تخصصي الجامعي... 


في لحظة ما، غادرتاني سويا، الفتاة التي أصبحت زوجة، لم أعد أشعلمصابيح دروبها وانصرفت، والرياضيات توارت خلف رفوف مكتبة البيت... 


كان ذلك جنون الحب، لعله هو ما أعيشه مرة أخرى، وأنا أكتبك نصا للدهشة


والفرح... 


لا ملامح لك، غير هذا الجدار الفايسبوكي... 


لا فضاء لركضنا، غير ما هذا المجال الأزرق، من كلمات وإشارات... 


هل كان من الضروري إشراكك في مذبحة الوجد التي أمارسها ضد كبريائي ؟


من منا يكتب الآخر ؟


أأنا من ينزف وجعا على بياض ليس ملكي، أم أنت ؟ من نصب لي فخاخالكلام، ليوهمني بلذة اللغة، وبقدرتي على صناعة حلم من مجرد عبارات وجمل؟


من يكتب من ؟ يفرحني ارتباكك، تواطؤك الجميل من أجل ولادة نص نطرز بهجذبتنا... 


رسائلك التي تصرخ ملء الجوف، بانكسار العيون على مرآة باردة... 


"ماذا لو لم تكن بطلتك سعيدة ؟"


سأمد الكلام ليزرع الضوء في ممرات تعيدك من شقائك، أكنس الغبار عنأهداب عيون الرتابة، أصرخ في جسدك كل صهيلي... 


ارتباكك يفرحني، ويفرحني ستار التمنع الذي ترفعينه في وجهي، ناعماوكاشفا لبياض سريرتك... 


بدايتك كانت دهشة، ممرنا دهشة أخرى، فلا نهاية لهذا الاندحار الممتع باتجاههاويةلا قعر لها...  


أدهشك كوني لا أحتسي الكحول... 


تجتاحني الرغبة في افتراش حضنك، في ذات فضاء الحلم، شجر السرو وبركةالماء الرقراق... 


وأحكي ولادتي... 


احكي طفولتي الفقيرة، وشبح الحرمان الذي كان يهددنا... 


كيف كان أبي - وهو الموظف البسيط- اليد اليمنى لعامل الإقليم... ؟


لرجال السلطة في هذا الوطن صناديق سوداء كاتمة لأسرارهم، يكلفونها بتدبيرحياتهم السرية، يختلسون بها، يقامرون بها، ويخونون زوجاتهم بوساطتها... 


كان أبي علبة سوداء للمسؤول الأول عن الإقليم... 


مكلفا بقسم الخمريات من ليالي السيد العامل الملاح. ربما نظرا لتاريخهالطويل في معاقرة الخمر واحتضان زجاجاته.  


كان أبي سكيرا، يؤقتُ سكراته على إيقاع مزاج السيد العامل الذي لم يكنيجد غضاضة في إرساله للعاصمة التي تبعد بثمانين كلومترا عن مدينةالخميسات، كي يقتني له قنينة خمره المفضل، يتنقل بسيارة مملوكة للدولة،وبإذن مكتوب، للقيام بمهمة رسمية كي يقتني خمرا لسيده العامل والي نعمته.


كان يفعل ذلك بحماسة، يقتني لنفسه أضعاف ما يقتنيه لرئيسه في العمل.ويبدأ حفلته في طريق عودته... 


صادف أن أصيب في حادثة سير بكسر في رجله وأضلاعه وهو سكران، كماصادف وصوله للمنزل وسرواله مبلل، لأنه من فرط السكر لم يستطع التحكمفي بوله... 


كان وعاء الدقيق، الذي تعجن منه والدتي خبزنا اليومي فارغا، وكنت، بوعييالطفولي الشقي، أغضب لما أراه، كنت في شجار دائم معه... 


و قررت ألا اشرب الكحول... 


لدي أصدقاء كثيرون يستمتعون بنبيذهم، ويستغربون لموقفي، ومع ذلك، وقع أنشاركتهم بعض الكؤوس... 


ربما بالصدفة الخطأ، أو بالحظ المتزن، كان احتسائي الأول لشراب فرنسي،رفقة أصدقاء السياسة والنضال، جرت الأمور بما عزز رفضي الأول لاحتساءالكحول، 


و قررت لحظتها أن أنتشي سكرا بنص جميل، أو بحضن امرأة دافئ... 


كان حضورك الافتراضي نبيذا آخر، وكان شغبنا في غرفة الدردشة سكراطافحا...


لقراءة باقي الرواية اضغط هنا 


تعليقات