📁 آخر الأخبار

رواية الدبابة: الفصل 11 و12 و 13

 



الفصل 11 و 12 و 13 من رواية الدبابة لكاتبها عبدالعزيز العبدي

الفصل الحادي عشر: العروسة في المنعرج

"العروس في مدينة مليلية".
كانت الرسالة الحاسمة التي وصلت في تطبيق الواتساب.
الساعة تشير إلى السادسة صباحًا، ما زالت وداد مستغرقة في نومها.
تسللت على أطراف أصابعي، وغادرت غرفتها في الفندق نحو غرفتي.
ارتديت ملابسي، وتفحصت جواز السفر، وتأشيرة الدخول إلى مدينة مليلية، والتي ما زالت صالحة.
ثم غادرت الفندق.
كان علي أن أستقل سيارة أجرة من وسط الناظور نحو مدينة مليلية، إذ لا معنى للذهاب بسيارتي والدبابة تنتظرني هناك.
حاولت الاتصال بالبوعزاتي لكن دون جدوى.

وصلتني رسالة ثانية من ماركو، مساعد أبولو.
"العروسة تنتظرك في المنعرج الواقع في جادة خوان دولانوزا".
اجتزت حاجز الجمارك وتوجهت نحو محطة سيارات الأجرة، حيث أدليت بالعنوان لأحد السائقين.
رحب بي، وأدار محرك السيارة.
بعد دقائق قليلة، أخبرني أنني وصلت إلى حيث أريد الذهاب.
المحج واسع وبه منعرج واحد لا غير، لكن لا أثر للدبابة.
سيارات مركونة لم تتحرك بعد في هذا الصباح.
وأنا أحاول تركيب رقم البوعزاتي، سمعت صوتًا خافتًا:

  • حميد، حميد، أنا هنا.

بحثت عن مصدر الصوت، فلم أتبينه.
التفت يمينًا وشمالًا.
تقدمت خطوة إلى الأمام، ثم خطوتين.
سمعت الصوت نفسه مرة أخرى:

  • حميد، أنا هنا، أنظر إلى يمينك نحو الأسفل.

حين نظرت، كانت سحلية بنية واقفة على قدميها الخلفيتين ومتكئة على جدار المنعرج.
فركت عيني من هول الصدمة.
كان صوتها واضحًا وفصيحًا:

  • أنا ليوبارد 2، أنا الدبابة التي أرسلها البوعزاتي، لا تتكلم كثيرًا، وأنصت إلى ما سأقوله.

مادت بي الأرض، وفركت عينيَ مرة أخرى، كيف تكون الدبابة الألمانية الصنع هي هذه السحلية؟ وكيف يجازف البوعزاتي بكل هذه الأموال وبهذا الكم من العلاقات العادية والمافيوزية، من أجل سحلية سوداء لا يتعدى طولها راحة كف؟
ثم كيف يحدثني عن حلمنا الطفولي بامتلاك دبابة، لها على الأقل قمرة نختبئ بها ومدفع مقتطع من أنبوب بلاستيكي خاص بالري سرق من ضيعة عبد الواحد؟

انحنيت قليلًا حتى استوى رأسي عند مستوى رأس السحلية، نظرت في عينيها، تأملت رأسها الذي يشبه المثلث، تأملت جسدها المكسو بقشور حرشفية سميكة، وكمجنون سألتها:

  • أأنت ليوبارد 2 الدبابة؟
  • نعم، أنا الدبابة ليوبارد 2، هل سنظل هنا في هذا الشارع؟
  • طبعًا لا، لكن لا أدري ما الذي علي أن أفعله؟
  • أليس المفروض أنك ستدخل الدبابة إلى المغرب؟ إذا هيا بنا للدخول إلى المغرب.

لم يسبق لي أن تعاملت مع السحالي، ولم يدر في خلدي يومًا أنها تفكر وتتكلم، كما لم يدر بخلدي يومًا أن تكون للدبابة التي حلمنا بها سويا في طفولتنا علاقة بهذه السحلية.

كان علي أن أحسم هذا العبث بسرعة، وأن أقرر ما إن كان علي الاستمرار في هذه المغامرة، ومجاراة هذه السحلية في عبثها، أو أقفل عائدًا إلى الناظور، ألهو بعجيزة وداد، ثم أقفل عائدًا نحو الرباط.
لم يكن أمر القرار صعبًا، إذ لا تتاح للمرء فرصة معاشرة السحالي دائمًا، ثم أن هذه ليست سحلية عادية، هي دبابة ليوبارد الثانية، والتي دفع فيها البوعزاتي ما يقرب عن المليون دولار، أي مائة مليون درهم أو عشرة ملايير من السنتيمات.

لذا قررت أن آخذ الأمور بيدي، وطلبت منها أن تتبعني نحو المغرب.
اقترحت عليها أن نجلس سويًا في حديقة ما، بعيدًا عن المارة في الشارع الذي بدأ يكتظ مع بزوغ النهار، ثم نتحدث حول خطتنا للذهاب سويًا داخل المغرب أولًا، ثم نحو الرباط وسلا ثانيًا.
ونحن نتحدث عن هذه التفاصيل، كان بعض المارة يرمقونني بشكل غريب، لعلهم يعتقدون أنني مجنون، وهذا أهون من أن يعتقدوا أنني أكلم دبابة ألمانية من أشد الدبابات فتكًا في العالم.

اتفقنا على خطة للخروج من المدينة واجتياز حاجز الجمارك، إذ سأحملها في جيبي مستقلًا سيارة الأجرة إلى نقطة الحدود، ثم أضعها جنبًا عند السور الفاصل بين المغرب وإسبانيا، حيث ستتسلل من إحدى الثقوب التي أحدثها المهاجرون السريون، على أن تحاول الإسراع لاجتياز ما يناهز الكيلومتر زحفًا على بطنها ورجليها القصيرتين، في انتظار أن أمر بدوري من حاجز الجمارك، وألتقي بها على الأرض المغربية، وأعيد حملها في جيبي.


الفصل الثاني عشر: سحلية على الحدود

فوجئ حميد وهو يكتشفني.
لم يحدث له أن تحدث سحلية، ولم يحدث له أن ربط بين سحلية وبين دبابة ليوبارد 2، رغم أنه كقروي سيكون قد صادف عدة سحالي في قريته، في طفولته وغير طفولته.
كان على الراوي أن يحول الدبابة إلى سحلية، كي يتمكن من إتمام نسج هذا النص اللعين حول إدخال الدبابة إلى المغرب.

كان له خيارات عديدة، منها أن يحتفظ بي كما أنا، دبابة من فولاذ ورصاص، بحجمها الكبير يقتحم بها الحاجز الحدودي، وسط فرح هستيري للحراس سواء من جهة الإسبان أو من جهة المغاربة: تُنظم رقصة الفلامينكو من جهة ورقصة ركادة في الجهة الأخرى، وأمر وفوق ظهري حميد، ببشرته القمحية ونظاراته السميكة، يمسك في يديه رشاشًا ويتكئ على المدفع الكبير الذي يزين ظهري.

كان هذا الخيار بليدًا، لأنه كان عليه تدبير سرد مثقل بهذه الدبابة الحقيقية على مدار مسيرة أسبوع بالكامل، من النقطة الحدودية إلى حيث سيركنها في مدينة سلا.

فكر في أن يحولني إلى امرأة. امرأة شقراء ومكتنزة، ساحرة بجمالها وجذابة، أو لنقل إنها قاتلة، كي لا نخرج عن وظائف الدبابات.
مشكلة هذا الاختيار أنه سيجعله في تصادم مع حبيبته وداد، التي تركها في الفندق تنتظره.
هو تصادم لن يغني النص، وسيجعله متضخمًا بالعلاقات النسائية لحميد، وهو ما لا يريده الكاتب.

وضع الكاتب هنا ملامح حميد المتوازنة، شخص يقارب الأربعين من العمر، متزوج وله طفلة، يحب زوجته، ولا بأس من مغامرات جانبية يشحذ بها أمصال القلب ويطرد بها أكياس التوتر والتعب الذي يلحقانه في عمله. لذا كانت وداد كافية في هذه المرحلة، وتؤدي وظيفتها بشكل جيد داخل هذا النص.

ثم فجأة فكر في أن يحول الدبابة إلى سحلية، لكن السؤال الأساسي: هو لماذا سحلية؟
لماذا ليست أفعى؟
لماذا ليست فأرة كبيرة؟
هو لا يعلم جوابًا بالضبط، اختياره للسحلية كان اعتباطيًا، غير أنه اعتبره في الوقت ذاته اختيارًا موفقًا.

لأنه سيمكنه من إتمام بناء هذا النص أولًا، وهذا هو الهدف الأسمى.
ثانيًا سينفتح على مجتمع السحالي، في عملية توثيق تمزج بين المعلومة العلمية حول هذه الكائنات، ومدى احتمال فهم الصراعات القائمة في مجتمعنا بناءً على وجود السحالي من عدمها.

لهذا اختارني الراوي هنا، كمتحول عن الأصل الذي هو الدبابة الألمانية ليوبارد 2.


الفصل الثالث عشر: في جيبي سحلية

كان لقاء ليوبارد 2 أو السحلية خلف حاجز الجمارك وعلى الأرض المغربية غريبًا وممتعًا.
ممتعًا لأنني مقتنع تمامًا أن ما يرافقني الآن هو دبابة ليوبارد الثانية، الألمانية الصنع، المجهزة بأحدث التجهيزات، والقادرة على تدمير منشآت ومواقع حربية ومدنية، بالإضافة إلى تجسيدها معاني القوة هذه، فهي تجسد لي أيضًا معاني الوفاء والإخلاص والحب التي يكنها صديقي البوعزاتي لشخصي المتواضع. أحاسيس برزت على غفلة مني وفي لحظات كنت أحتاجها، بعد تجارب صداقات عديدة باءت بالفشل.

ولقاء غريب لأن الواقع يفيد أنني أحمل سحلية في جيبي. أشعر بحرارة جسدها وأراقب عينيها اللتين تدوران في الفراغ المظلم داخل جيب السترة الفضفاض. أحملها ونبضات قلبي تتسارع كمن يحمل دبابة في جيبه. يخيل إلي أن كل المارة ينظرون إلي ويعرفون أنني أحمل هذا الخطر في جيبي.

عزائي الوحيد أن الراوي جعل لهذه السحلية أو لهذه الدبابة لسانًا تحكي به، وهو ما مكنني من ربط جسور التواصل معها، ومحاولة فهم ما يجول في خاطرها.

كان ضروريًا أن أبحث عن السحليات في الإنترنت، ومعرفة كيف لي كإنسان أن أتصرف معها.
وفي موازاة ذلك، كان من الضروري أن أبحث عن خاصيات الدبابة ليوبارد 2، طريقة قيادتها وتشغيل أجهزتها، وكيفية شحن ذخيرة مدفعها الرئيسي ورشاشاتها الجانبية.

ثم قبل ذلك، ضرورة البحث في مكوناتها الرئيسية، نوعية المعادن المستعملة في تصنيعها، والتقنيات الإلكترونية المدججة بها. أعتقد أن هذا البحث ضروري لأن توقعي كان هو أن تتحول السحلية في أي لحظة إلى دبابة ثم تعود الدبابة سحلية متى شاءت ذلك.

كان علينا التوجه نحو الفندق قبل المغادرة باتجاه مدينة سلا. وكان علي قبل ذلك أن أجعل وداد تغادر الفندق وتعود أدراجها إلى العاصمة الرباط.

عرجت على المرآب حيث ركنت سيارتي صباحًا قبل التوجه نحو مدينة مليلية، ووضعت ليوبارد 2 في صندوقها، وانصرفت نحو الفندق. فوجئت وداد أنني أطلب لقاءها قبل الليل، وعند منتصف النهار، وفوجئت أكثر حين طلبت منها العودة إلى الرباط عبر القطار واضطراري للعودة وحدي في السيارة.

حاولت إقناعي بالعودة معها كما كنا نفعل دائمًا، والافتراق بعيدًا كي لا نثير الريبة والشك، لكنني رفضت. أفهمتها أن هناك من يتعقب خطواتي.

عبد العزيز العبدي
عبد العزيز العبدي
تعليقات