📁 آخر الأخبار

رواية "رأس وقدمان " لكاتبها عبد العزيز العبدي، الجزء الثامن والتاسع


رواية الدبابة، الخرافة والأسطورة


 الفصل الثامن : 

اعتذرت شامة لربيعة عن عدم تمكنها من مرافقتها للتسوق في يوم نهاية الأسبوع، في تلك اللحظة أفصحت لها عن شكل انشغالها، أخبرتها بأن الميمة ستنظم ليلة للجواد، ولا يمكنها الغياب، لم تستوعب ربيعة معنى كلمات شامة، لكنها أصيبت بالذهول فيما بعد، وهي تصخي السمع لصديقتها الجديدة، حديثها عن عالم الجن وملوكهم، كيف يتحكم شمهروش في مصائر الكثيرين وهم لا يدرون شيئا، كيف تنقذ ميرة، صاحبة الرداء الأصفر، بنات جنسها من براثن العنوسة، كيف ينزل سيدي السايح مول الدربلة بركاته في مشاريع كثيرة، ويخرب أخرى لا يستجيب أصحابها لطلبات الملوك، ثم أخيرا كيف تؤمن لالة عيشة الحمدوشية الأمن النفسي وتزكي بركات الجواد الآخرين، وهي ذاتها الميمة التي تستشيرها شامة في كل حركاتها وسكناتها، منذ أن تعرفت عليها وأمورها تمر من حسن إلى أحسن، وبالتالي لا يمكنها الغياب عن محطة أساسية في علاقتها بها وهي الحضرة التي ستنظمها الليلة...

لم تصدق ربيعة ما كانت تسمعه، انتفض في داخلها ناصر، رغم تهشم صورته على خرسانة الخيانة، وهذه البثور على جلد روحها تكفرها بكل قيم العقل والحداثة التي تعلمتها منه، إلا أنها لم تصدق أذنيها، وهي تسمع شامة تتحدث عن الجن والعرافة وغيرها... ما الذي يدفع امرأة، بكل هذا الجمال والعنفوان ، تحمل في هويتها كل الشهادات الجامعية، والكثير من التجارب التي راكمتها في احتكاكها بمجتمعات غربية متقدمة،إلى أن تعتقد في هذه الخرافات، وترهن كل تحركها اليومي بإشارات من امرأة أمية لا سلطة لها سوى ما تدعيه من بركة منحتها إياها مخلوقات وهمية توزعت أسماؤها بشكل غريب ومريب، وأسندت لها قوى خارقة لا دليل علمي على وجودها؟

ما حير ربيعة هو اليقينية التي تتحدث بها شامة، تبسط أمامها مصائب ألمت بها، ولم تكن سوى الميمة وفيلق جندها من الجن من جاء لنجدتها، روت لها حكاية رحم والدتها الذي استأصله الأطباء، وكيف شاركت الميمة في إجراء العملية الجراحية وإنجاحها، كيف كان والدها، سائق الشاحنة الذي أصابه مرض السكري بالوهن، على مشارف الموت جراء حادثة سير، وكيف تدخلت لجبر عظمه بل الأدهى كيف أرسلت له الملك سيدي ميمون في هيئة رجل محسن تكلف بإصلاح شاحنته ، لم تتوقف شامة عن الحديث وعن بسط حججها لإقناع ربيعة ببركات الميمة، وربيعة تجد صعوبة كبيرة ليس في الاقتناع بذات البركات، ولكن في تصديق وجود هذه المخلوقات أولا، وفي تصديق أن صديقتها الجديدة، شامة، المتعلمة في أكبر الجامعات الدولية، والخبيرة الأممية في مجال تخصصها، تصدق هذه الخرافات ثانيا....

لم تكترث شامة لاستغراب ربيعة، بقدر ما فكرت أنها ما زالت على ضلال، وأن تأثير نمط حياتها القديم، المتحرر حد الإسفاف، الذي لا يؤمن بوجود الله فما بالك بوجود مخلوقات تستمد قوتها من هذا الوجود بالضبط، ففي الأخير، لالة عيشة الحمدوشية وشمهروش، وسيدي ميمون وميرة الجميلة، ليست سوى مخلوقات جنية، خلقها الله وجعلها في خدمة أناس ببركات معينة، كانت السيدة فاطمة واحدة منهم، نظرا لما تتميز به من طيبة خلق وتقوى وورع...

قررت شامة في نفسها أن تصحب معها ربيعة لحفل الجذبة، فبدرايتها البيداغوجية كأستاذة التعليم العالي، تأكدت أنه لا يمكن إقناع ربيعة إلا بحدث واقعي، شيء تلمس فيه حقيقة ما كانت تحاول إقناعها به، وربيعة بدورها لم ترفض دعوة شامة، على الأقل في محاولة الوقوف على هذا العالم الذي يسحر صديقتها شامة، وفي قرارة نفسها، عزم على انتشالها منه، ووضعها على طريق التفكير العقلاني والحداثي، المرتكز على العلم وعلى ما راكمتاه من تجارب في مجتمعات نبذت مند عقود فكر الخرافة والغيبيات...

كانت ربيعة ساحة صراع محتدم، كينونتها المتحررة التي بنتها من قراءاتها في الفلسفة وعلم الاجتماع رفقة ناصر،نقاشاتها السياسية والعقائدية في رحاب الجامعة وفي المنتديات الطلابية، وبحوثها العلمية في الطب والبيولوجيا وغيرها، تصارع هذا الدفق الإنساني الذي ينساب من حديث شامة، طريقتها في تبسيط الأمور رغم تركيبها الكبير، الارتياح النفسي الذي يشع من عينيها والأمل الكبير الذي تعقده على هذه الميمة في كل أمورها المهنية والعاطفية والعائلية، لا تتصرف دون استشارتها، لا تقدم على عمل دون رضا الميمة، حتى وهي تكتب بحثا أكاديميا، كانت تنوي إرساله إلى مجلة متخصصة تعمل بموجبه على تعيير درجات الباحثين، طلبت استشارتها، وطلبت منها الميمة أن لا تتعجل الأمر، وأن تعيد قراءة بحثها وعرضه على أحد زملائها ممن تثق بهم، وهو ما أقدمت عليه شامة قبل إرساله، وحين توصلت برسالة من المجلة العلمية تشيد فيها ببحثها، وترتبه من بين البحوث الأولى في علميتها ورصانتها، مع توصية لبنك دولي باعتماده، أرجعت ذلك لنصيحة الميمة وقدرة ملوكها على الإلمام بكل أسباب العلوم حتى الأكثر تعقيدا منها...

كانت جبهة الحداثة في ساحة الوغى الذي تَشَكَلَ من كينونة ربيعة تتقهقر أمام يقينية شامة وهذا الإحساس الذي تلمسه ربيعة في كونها تحبها، تريدها أن تستفيد من بركات الميمة، لا تلمس وراء رغبتها مصلحة محددة...كلما اختلت بنفسها، وبسطت أمام عينيها شريط حياتها الذي تمتحه من ذاكرتها، تقف على منعرجات حاسمة في تكوينها، كان أكثرها أهمية لقاؤها بناصر، والتحول الذي طرأ على تفكيرها، والذي كانت تعتبره إيجابيا بل ومحفزا في تكوينها لشخصيتها على المستوى الاجتماعي والمهني... الآن تشعر في قرارة نفسها أن هذا المنعرج وهذا التكوين هو ما يشكل تعاستها وأن نمط تفكيرها هو ما يمنعها من الإيمان بما تقترحه عليها صديقتها شامة، التي تحس برغبتها الصادقة في إسعادها لا غير...

لم يخطر ببال ربيعة، أن قرارها بمصاحبة شامة لحفل الجواد سيغير حياتها ، أو لعله سيعمق التغيير الذي طرأ على حياتها منذ أن تعرضت للزلزال الكبير الذي أحدثته خيانة ناصر لها، كانت تريد مصاحبة شامة، فقط لأنها تأنس برفقتها، وكانت كذلك تريد أن تضع قليلا من الملح على رتابة عيشها الذي أصبح مملا منذ أن غادرت شقتها ، انصاعت لأوامر الميمة المنقولة على لسان صديقتها، والتي تنص على ضرورة استحمامها باستعمال محلول أعشاب يحضره عطار محدد في السوق الشعبي المجاور لسكنها، كما قصدت حلاقها لتقص شعرها وتضع القليل من المساحيق على بشرة وجهها ، فالجواد وإن كان بينهم إناث، يحبون الجمال ويفضلون أن تكون الزائراتفي صورهن الأكثر بهاء وجمالا...

حين دخلت ربيعة رفقة شامة للزاوية، حيث قدمتها للميمة، السيدة فاطمة الورعة والتقية، فوجئتا بها بعد السلام عليها، تنحني وتقبل قدميها، ثم ضمتها لصدرها بقوة وهي تنتحب، تضحك وتنتحب في نفس الآن، وتتمتم بكلمات لم تفهما معانيها، ولم تكف عن تقبيلها، قبلت كفيها وقبلت وجنتيها، كانت فرحة الميمة بربيعة غير متوقعة، وبها كثافة من المشاعر أربكت النساء ثلاثتهن، توقفت الميمة هنيهة، وتوجهت لشامة:

إنها ابنتي، كنت واثقة من عودتها، هي أختك التي لم أحدثك عنها، وقد أخبرني سيدي شمهروش بأن عودتها وشيكة، كان يمنعها من ذلك جني كافر يسكن رجلاً ارتبطت به، وهي قد تخلصت منه وعادت إلى حضن الزاوية، لحضن الميمة والجواد...
هي جاءت رفقتي كي تتعرف عليك، تحدثت لها كثيراً عنك، وقد دعوتها لحضور حفل الجواد اليوم...
كانت ستأتي بك أو بدونك، نحن لسنا سوى أدوات ووسائل في يد الجواد، يسخروننا لما فيه خير الناس...

 

تأملت جيدا في سحنة ربيعة، وبابتسامة ماكرة وجميلة، أخبرتهما أن ربيعة لا يمكنها حضور ليلة الجذبة يومها، لأنها ببساطة حائض، والجواد لا يقبلون أن تكون زائراتهن حائضات، بل يغضبن لذلك وقد يؤذيهن...

لم تنبه شامة صديقتها ربيعة لهذا الأمر، ولم تتحدثا بشأنه، لكن ما أثار استغراب ربيعة هو قدرة هذه السيدة على تخمين حالتها الهرمونية، ومعرفة أنها حائض. بملاحظتها هذه، كانت صروح الممانعة تتفتت في وجدانها، شيء ما جذبها لهذه المرأة، كيف استطاعت معرفة ذلك، وما هو سر قوة هذه الأمية التي تتحكم في عقول كثيرة؟

رغم أن شامة أخبرتها أن التي تحدثها ليست فاطمة، بل الميمة التي تسكنها، وأن الميمة على علم بالكثير من أسرار بناتها، حتى التي يتكتمن عليها بحرص شديد، تبقى مسألة الحيض من الأمور السهلة التي تكتشفها، وعادت ما تنهر الزائرات المتعودات على حضور ليالي الجذبة، حين يتعمدن البقاء رغم كونهن في وقت عادتهن الشهرية، مما تعتبره الميمة إمعانا منهن في تعكير مزاج الجواد ورغبة منهن في إغضابهم...

كان وقع خبر منع ربيعة من حضور الحفل مؤلما، لها أولا، وهي تضع أولى خطواتها على سلم الاطمئنان للسيدة فاطمة، أو للميمة كما تشاء شامة أن تفصل بينهما، ومؤلما لشامة نفسها، وهي التي كانت تريد أن تستفيد صديقتها من أجواء الحفل، وتستعيد بعض من الطمأنينة وراحة البال، وربما تريد أن تعضد اطمئنانها هي ذاتها في معتقداتهاالجديدة... لكن فاطمة، بنباهتها أدركت الإحراج الذي وقعت فيه شامة، فأمسكت ربيعة بيديها، وصحبتها لغرفتها المظلمة، الزاوية التي تعتكف فيها وتستقبل فيها زبناءها، لم ترافقهما شامة، لأن الميمة لم تطلب منها مرافقتهما، وهي إن لم تطلب ذلك بصريح العبارة، فيعني أنها لا تريدها أن ترافقها..

شكلت الساعة التي قضتها ربيعة رفقة الميمة في مخدعها منعرجا في حياتها، بأهمية المنعرج الذي استدارت فيه ذات الحياة عند لقائها بناصر، أو لعله التحول الذي أعادها إلى حيتاها لما قبل لقائه، لا تعرف شامة ما دار بينهما، ولا أعرفه بدوري ، لكن الأكيد أن ربيعة بكت خلال تلك الخلوة وحكت للميمة كل ما كان يضايقها، حكت لها ناصر، حبها الجنوني له، وخيانته لها، حكت حلمها بإنجاب طفلة من صلبه، بأن تسميها شامة، حتى قبل أن تتعرف على صديقتها، جاءتها شامة محمولة على الأمل، وغاب ناصر مطرودا من حياتها بفعل خيانته... ما تسرب من لقاء ربيعة والميمة كان قليلا جدا، فقد طلبت منها أن يكون ما دار بينهما سرا، وأن لا تبوح لأحد بالنصائح التي أسدتها لها خلاله، حتى لشامة صديقتها، فعلاقة الميمة، متفردة بكل واحد وبكل واحدة من أبنائها وبناتها، وشامة بدورها تعرف هذه الشروط، ولم تلح على ربيعة في قص كل ما دار بينهما...

لكن ربيعة تغيرت، أصبحت أكثر مرحا وبهجة، تستقبل أمهات الأطفال في عيادتها بالكثير من البشاشة والحبور، لا تتقاضى من الفقيرات منهن مقابلا عن الفحوصات التي تجريها لأطفالهم، لكنها بالمقابل تطلب دعواتهم لها، وتطلب دعوات للميمة ولصديقتها شامة، أصبحت تسأل بشكل يومي عنها وتتصل بالهاتف بالميمة، وأحيانا كثيرة تخصها بزيارة نهاية الأسبوع، تحمل لها هدايا وتنفحها ببعض المال، مقابل ما تستشعره من شساعة هواء يملأ صدرها، وطمأنينة تغمرها لحظة نومها...

 

الفصل التاسع : 

 

التحق بالصالة أشخاص آخرون، امرأة مسنة تتأبط ذراع ابنتها، تلقي التحية على شامة وربيعة، وهما جالستان بقرب بعضهما، وتجلسان في الطرف القصي من الصالة. يدخل رجل يرتدي نظارة طبية، أنيق الهندام، يسلم بدوره على الحاضرين وينزوي في ركن آخر من الصالة حيث يجري مكالمات هاتفية. ثلاثة رجال يرتدون جلابيب بيضاء، كأنهم يؤمون المسجد يوم جمعة أو صلاة عيد، يلقون التحية على الذين سبقوهم، وعلى بعض أفراد الفرقة الموسيقية، وينزوون بدورهم في أحد أركان الصالة... جلبة وهرج يتصاعد بتواتر توافد الضيوف على الزاوية، بينما ربيعة وشامة تراقبان الحاضرين والحاضرات، وهما تتبادلان الحديث حول أمور مختلفة وبفوضى..

ارتبكت ربيعة وهي تنظر للوافد الجديد عبر بوابة الصالة، رجل اكتسح البياض شعره، يرتدي معطفا ويتأبط كيسا بلاستيكيا أسود، يتجول بعينيه في سحنات الحاضرين، لم يلق التحية على أحد، اختار مكانا منزويا في الصالة، وأفرد بعض الجرائد التي كانت بالكيس، وانهمك في مطالعتها، بينما ربيعة تتمعن في سحنته كأنها تحاول البحث فيها عن شخص آخر أو عن زمن آخر... حين انتبهت شامة لذهول ربيعة، كانت هذه الأخيرة قد استرجعت شيئا من انتباهها، ووجهت سؤالها لشامة:

هل تعرفين من الجالس هناك؟
ينادونه بالكبير، لا يتحدث مع أحد، لا يلقي التحية على أحد، يحضر ليالي الجدبة، وعند نهايتها يختلي بالميمة لبعض الوقت وينصرف، لا أحد يعرف ماذا يشتغل، والميمة لا تجيب على تساؤلات الفضوليين والفضوليات حوله..
إنه عبد الكبير، هو من استقبلني أنا وناصر حين رحلنا إلى فرنسا من أجل إتمام الدراسة، وهو من تكفل بتوفير المبيت لنا، لحين ترتيب أمور الحي الجامعي والمنحة، هو من كان مكلفا من طرف المنظمة بترتيب أمور الوافدين الجدد، كان يحضر دكتوراه في العلوم السياسية، وهو من كان على رأس اللجنة التي فاوضت من أجل إنهاء حالة النفي بالنسبة للرفاق في المنظمة، وكان آخر واحد منهم يلتحق بالوطن... لكن ما الذي أتى به إلى هذا المكان؟ 

لم يأبه عبد الكبير بوشوشات شامة وربيعة، ولم يستطع التعرف على هذه الأخيرة رغم جلوسه في نفس الصالة، وعلى مسافة قريبة شيئا منها، مما منحها فرصة التجول في سحنته، باحثة عن زقاق وطرق أوصلته إلى هنا، من زمن الفكر العلمي المجرد، إلى هذه الطمأنينة التي اكتشفتها متأخرة بفعل شامة، واتضح أنه سبقها إليها مند سنين ، مذ أن غادرت فرنسا صحبة ناصر، يحلمان ببناء عشهما وبناء هذه البلاد... كان عبد الكبير قد عاد إلى الوطن في نهاية القرن الماضي، رفقة المجموعة الأخيرة التي أنهت حالة النفي السياسي، سواء الإرادي أو المفروض عليها،  وانخرط بحماس في ترتيب البيت الداخلي للحزب الذي ولد من أحشاء المنظمة المنحلة، كما اشتغل أستاذا في إحدى الكليات التابعة لجامعة العاصمة، يدرس تاريخ الأفكار السياسية...

الذين يتذكرون عبد الكبير، لا يفعلون ذلك إلا من لحظة التقائهم به في باريس، وهو يسجل الطلبة الجدد الذين قدموا رسائل التعميد من رفاقه في المغرب، أولائك الذين وصلت بشأنهم تقارير تفيد قابليتهم للاستقطاب للعمل السياسي داخل المنظمة، يحرص على أخذ عناوين الشباب، وعرض مساعدته في إيجاد الإيواء والتسجيل في الشعبة التي يختارونها، ثم وهو يوزع عليهم كراسات لتلقينهم المبادئ الأولى للمنظمة الثورية، أهدافها ومواقفها مما يدور من أحداث سياسية في المغرب، أو وهو يدير نقاشات رفقة طلبة آخرين من تيارات أخرى ومشارب فكرية مغايرة ... لا أحد يعرف متى وصل إلى فرنسا، أو من أين ينحدر في المغرب، يعرفون أنه كان في الرباط قبل أن يطارده البوليس، رفقة أصدقاء آخرين، ويختفي لشهور عديدة ليظهر في الجامعة بباريس صحبة الطلبة المنتمين للمنظمة... لم يٌعرف له صديقة في حياته الجامعية الباريسية، ولم يكن يتهافت على ربط علاقات مع الطالبات الوافدات على الكلية كما كان يفعل جل رفاقه... حتى الذين يتحدثون بشأنه يتجنبون الخوض في تفاصيل حياته الحميمة، والأكثر فضولا منهم يتحدث عن غرامه بفتاة في مدينة الرباط، على الأرجح أن اسمها كان حليمة، ويحكي نفس الفضوليون أنها انتحرت بعد استدعائها من طرف البوليس السياسي في العاصمة الرباط، وبعد أن علمت أن عبد الكبير مبحوث عنه، وأنه يتعاطى لشيء خبيث اسمه السياسة...

ذات صباح، وبدون مقدمات، اعتذر عبد الكبير عن الحضور للجمع العام لخلية المنظمة في فرنسا، كان هذا الجمع بمثابة مؤتمر مصغر، ومن خلال نتائجه يتم تعيين المسؤولين المباشرين عن التنظيم خارج المغرب، والذين لهم وحدهم صلاحية التنسيق مع رفاقهم في الداخل، ومنذ سنوات كان عبد الكبير أول المنتخبين، لا أحد يعترض على تمثيليته، بل غالبا ما كانت له الكلمة الأخيرة في تواجد رفيقة أو رفيق داخل أجهزة المنظمة، وكانت استشارته ضرورية في كل خطوة سيقدم عليها التنظيم في أوربا بشكل عام و في فرنسا بشكل خاص... غيابه ذلك الصباح أثار الكثير من الأسئلة، وبعثر برنامج الجمع بشكل عام، خاصة أنه لم يكن معللا بمرض أو عائق يمنعه عن الحضور، بل أحد الحاضرين استغرب غياب عبد الكبير، لأنه صادفه في المقهى الصغيرة التي يجلس فيها عادة، ليلتهم جرائد اليوم، وقهوته السوداء... زادت حيرة الرفاق بعد غيابه عن ساحة الجامعة ونقاشات الطلبة، ثم انزوائه الطويل في قاعة المكتبة وإصراره على إتمام أطروحة الدكتوراه في آخر السنة، هو الذي كان يسر لأصدقائه مازحا، أن تسجيله في الدراسات العليا كان بهدف تأمين بقائه أطول مدة في الجامعة وليس نيل شهادة الدكتوراه...

مرت الشهور الأخيرة من السنة الجامعية بسرعة، ليناقش عبد الكبير رسالته ، وينال شهادة الدكتوراه بتقدير متميز، وذلك في حفل بسيط تعمد أن لا يدعو له رفاقه في المنظمة، بل اقتصر الحضور على أساتذته وزملائه في الشعبة، بالإضافة لجنرال من القصر الملكي جاء خصيصا لحضور هذا الحفل، مصحوبا بالقنصل العام لسفارة المغرب في باريس، وبعض الموظفين المحسوبين على الجهاز الدبلوماسي والمخابرات. كان بين الحضور كذلك صديقٌ للملك، حرص على تسليم ظرف مختوم لعبد الكبير في آخر الحفل، وطلب منه أن يلتحق به في الغد بفندق يقع قرب الجامعة للحديث في أمور تخصه...

الذين يعرفون حكاية عبد الكبير، لا يعرفون ما دار من حديث بينه وبين صديق الملك، لكنهم فوجئوا به يدعو رفاقه للقاء خاص بمنزله، أخبرهم أنه ليس اجتماعا للمنظمة، ولا جمعا رسميا لخليتها، بل هو دعوة أصدقاء للحديث بقلب مفتوح حول الكثير من الأمور التي تربطه بهم... حرص على أن يستقبلهم بنفسه واحدا واحدا، أن يعد لهم العشاء بمساعدة ممون خاص، أن يوفر لهم ما يحتاجونه من مشروبات روحية، وأن يؤثث اللقاء بمقاطع من الموسيقى الهادئة، خلافا لعادته في الاستماع للأغاني اللبنانية والفلسطينية الثورية... أمام استغراب الجميع، لأن عبد الكبير ليس من عادته دعوة أحد لمنزله، صمم الجميع على الحضور، حضور اعتبره بدوره مشجعا كي يكمل مهمته على أحسن وجه...

افتتح الاجتماع ببسطه للوضع السياسي في البلاد، تحدث عن انتقال السلطة الذي مر بين الملك ووالده الذي توفي، كيف أن هذا الأخير أقر بضرورة إشراك المعارضة المنتمية لليسار خاصة في تدبير شؤون البلاد، وكيف أن أكبر حزب انخرط رفقته في هذا المسلسل، الذي ابتدأ بالعفو عنالكثير من المعتقلين وعودة منفيين عديدين كانوا رفقتهم هنا في أوروبا، وتوج بإصلاح دستوري ومشاركة الحزب التقدمي في الحكومة، ذكر رفاقه بأنه لم يكن مقتنعاً بجدوى هذه التغييرات فيما سبق، لأنها لم تغير من طبيعة النظام كما كان يراها، لكن مع وفاة الملك الأب، عبر وريثه عن نية حقيقية في السير قدما في هذه الإصلاحات، بتقديم إشارات عديدة، منها إقالة الوزير الجلاد، والسماح لعدد آخر من المنفيين بالعودة وإطلاق ما بقي من معتقلين سياسيين في سجون البلاد، كما سمح لصحافة حرة بالتطرق لمواضيع كانت تعتبر إلى حدود وقت قريب من الطابوهات، ثم ختم تدخله بأن ما يقع في البلاد لا يختلف كثيرا عما كنا نطالب به في المنظمة، لذا فهو يرى أنه من الواجب علينا أن ننخرط في هذه الديناميكية الجديدة، وندعم مجهودات الدولة والملك الشاب في ما هو سائر إليه...

أنهى مداخلته، وران صمت في القاعة، تطلع لوجوه الحاضرين يبحث عن أثر كلامه، كان الجميع صامتا، ينظرون لبعضهم، وعلامات الأسئلة والاستفهام بادية على سحنتهم، لم يفهموا ما الذي يقصده عبد الكبير، وإلى ما يدعوهم تحديدا، خيم الصمت أكثر من اللازم، ليستأنف كلامه كي لا يصبح هذا الرنين الفارغ مقبرة لما يهدف إليه. قال لهم إن اتصالات من القصر جرت في الأشهر الأخيرة، وأنه مرشح ليلعب دورا رئيسيا في فريق سيعالج الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان التي وقعت في سنوات حكم الملك الأب، وإنه بعد قراءته للوضع في البلاد قرر أن ينخرط في هذه التجربة، ليقينه أنها مخرج لأزمة الديمقراطية التي نعيشها، وأنها ستضع بلادنا على سكة التقدم والازدهار... كما أن مشاركته ستمكنه من منع انزلاقات ربما قد تقع، وتحريف ربما سيطول تاريخ المعتقلين والشهداء، وهو ما لا يمكنه السماح به أبدا...

لا أحد يتذكر بالتفصيل كيف انتهى الاجتماع الذي لم يكن سوى دعوة للعشاء، لكن الأكيد أن أصدقاء عبد الكبير فهموا سبب انزوائه بعيدا عنهم طيلة الفترة الأخيرة، فهموا سر ارتياده للفندق الفخم الذي كان بجوار الجامعة، وفهموا أيضا كيف انقطع عن ارتياد الحانة الصغيرة التي اعتاد عليها منذ ما يزيد عن العشرين سنة، واكتفى بشراء قنينات الويسكي التي يصحبها لشقته ويشربها وحده... الأكيد أيضا أن بعضاًمن رفاقه صدموا من المواقف التي عبر عنها، آخرون شجعوه على ما هو مقدم عليه، مع توصيات بأن لا ينساهم إن هو تقلد منصباً سامياً مهماً، وجزء آخر التهم العشاء الذي جاء بسببه لمنزل عبد الكبير وانصرف...

في الغد جمع حقائبه، وركب أول طائرة من مطار باريس إلى مطار العاصمة بسلا... فوجئ عند وصوله بشخص يرشده لمكتب بعيد عن الممر الذي يسلكه المسافرون عادة، هناك خلص إجراءات الدخول للوطن دون أن ينتظر الطابور الطويل، بعدها قاده نفس الشخص نحو مرآب السيارات حيث كانت تنتظره سيارة سوداء تحمل ترقيما يخص القصر الملكي،وبها سائق ينتظر قدومه...

عليك أن ترتاح اليوم سيدي عبد الكبير، وغدا سيزورك شخص من الديوان الملكي، لتذهب رفقته إلى محل معين تقتني منه بذلة مناسبة، لأن الملك سيستقبلك في المساء، رفقة أعضاء المجلس للتعيين الرسمي...

لم يجب عبد الكبير، فقد كان متعبا من السفر، ويحتاج بالفعل لراحة ربما أكثر من اليوم الذي يقترحه مرافقه، لم يجب أيضا، لأن فكره شرد في دروب تاريخ هذه المدينة التي يعبرها بالسيارة الفارهة، يتذكر أزقتها المتربة في بداية السبعينات، اللباس البدوي لسكانها، سيارات قليلة تجوب شوارعها الضيقة، مطاردات البوليس، قراءة الجرائد بشكل سري،مظاهرات التلاميذ والطلبة، وتعذيب الرفاق في مخافر الشرطة...

 

تعليقات