📁 آخر الأخبار

رواية كناش الوجوه، لكاتبها عبدالعزيز العبدي . الجزء الثالث

 

كناش الوجوه

الفصل 11: 

ليس لي سوى الذاكرة احتمي بها، حين نفشل في بناء المستقبل، نلوذ بالذاكرة اختباء، ذلك ما يقع للأحياء، مجتمعات ورجال ونساء...

ذاكرة وطني سيوف وحد وسفك دماء...

أمجاد، لا تساوي جرس إنذار في محطة بنزين...

و يحسبونها عصور نهضة وازدهار...

ذاكرتي علبة بريدي الالكترونية...

قطعة جاز أخرى...

ليست الموسيقى وحيدة كما في المرة السابقة...

جاءت معطرة بالكلمات...

لا ننتبه للأغاني التي نستمع عادة إليها، لكن حين تجد من يمنحك أغنية بكلمات، فاعلم أنه لا يهمه أن تسمع للنشيد، حدق جيدا في الكلمات المرفقة، وستجده يبوح لك، يبوح بك أو يبوح ضدك...

خذني بقربك الآن...

كمن يقذف بتعويذة سحر...

حين تقبلني تتأوه السماء...

هي ذي الحياة، إذ تضمني لقلبك...

أُصبح في عالم آخر...

عالم تزدهي فيه الزهور...

و حين تتكلم، تتجلى الملائكة في الأعالي...

كل صباح تبدو الكلمات كأنها أغاني حب...

سلم لي قلبك، سلم لي روحك...

كي تصير الحياة وردية...

صباح الترانيم البلورية، أنا حاضرة لكن لن أدردش معك، هذه أغنية جاز أهديها لك ليزيد حبك للجاز...

ما عدت أحب هذا الجاز، كان يأتيني صامتا، يحملني من ولهي بك، إلى جروح العبيد...

الجاز سيدتي، رحلة إلى جزيرة غوري، قبالة العاصمة دكار بدولة السينغال...

غوري، جرح أصاب أجدادي، ولم يندمل، تقرح في جسدي حين دخلت دار العبيد في غوري...

كانت الوصلة الأولى تشيخ في أذني، وكنت تقفين حيث كان الأسياد يعدون شرائح اللحم ليأكلوها...

ثم يلقون بالفتات للعبيد، أجدادي...

كان المرشد زنجيا، صاح في وجهي، حتى قبل أن يبدأ رحلته معنا: نسامح لكننا لن ننسى...

حين وطأت أقدامنا الجزيرة، نبت في دمي شجر الباباو الكبير، وسمعت صوتا افريقيا ينتحب، وسمعت موسيقى الوصلة الأولى التي أحببتك بها، وأحببت الجاز،

ليس في الجزيرة سوى العبيد، ليس في الجزيرة سوى عبق التاريخ الممزوج برائحة دم قديمة وتوابل كثيرة...

من قال للمرشد إنني أريد أن أسامح، أو أنني لا أريد أن أنسى...

يصهل المرشد بكل جنون التاريخ، يمشي في حدب، كي يشرح لي كيف كان أجدادي يضطرون للمشي بانحناء كبير، وهم يجرون كرات حديدية وسلاسل. بكيت، وصلة الجاز تشيخ في أذني، بكيت، وما كنت هناك، لأغرس رأسي في صدرك، موسيقى الجاز تصدح، وهذا الأبيض يطل علينا من ثقوب التاريخ دون خجل...

أخجل لأنني هنا في غوري، كم كنت أود أن أكون زنجيا، كم كرهت بشرتي البيضاء، أتأمل بعض أطرافي التي اسودت بلفح الشمس لعلي أتخلص من عقدة الانتماء...

هل كان يجب الإبقاء على دار العبيد، رمزا للذاكرة ؟

حكى لي المرشد أن الزعيم الجنوب إفريقي، نيلسون مانديلا، بكى وهو يغادر الزنزانة الصغيرة التي كان يوضع فيها الزنوج...

بكيت بدوري...

حين يكون المرشد مسربلا بالتاريخ، وبعشق المعرفة، تكون الزيارة شنقا وجرحا وكدمات في النفس، كجزار متمرس، يقطع وجدانك أطرافا أطرافا...

هنا كانت تربط الفتيات، حفرة بحجم صندوق البندورة، يستعمل كمرحاض، في دار العبيد هناك مراحيض للنساء وللرجال، لكن زنزانة الفتيات، تشمل مرحاضا خاصا، يسكت المرشد قليلا، كي يداهمك السؤال...

كانت قيمة الفتيات في عذريتهن، وكان المرحاض بداخل الغرفة، كي لا يهبن أنفسهن لأول رجل يحررهن من عبوديتهن...

كان الافتضاض والاغتصاب محررا من جحيم دار العبيد...

موسيقى الجاز تصدح في أذني نشيد الحرية، آه يا حرية، كيف لك أن تمتطي صهوة دم العذارى ؟ كيف يصبح الاغتصاب، الفعل الجبان، حاملا لضوء الانعتاق وهواء الانطلاق...

حين غادرت جزيرة غوري، غادرني كبريائي، ما عدت أطيق النظر في عيون السود، خجلا، بي رغبة في لمس قدم امرأة تبيع الكاكاو على قارعة شارع دكار، أقبلها، وأمسح شقوقا بها. معذرة سيدتي، رأيتك عذراء في زنزانة غوري، والآن في قارعة الطريق حرة، هل اغتصبوك ؟ هل وهبت نفسك لأول عطش كي ينهش لحمك، وينبت لك أجنحة تحلقين بها، معذرة سيدتي، أنا أبيض البشرة، لكن فؤادي تفحم من اللوعة ومن الغضب، تفحم خجلا من السياحة في ذاكرتك، كنت أريد أن أركب الطائرة فقط، ولأي بلد كان، كانت زوجتي تزن على أذني، وتذكر كل صديقاتها اللواتي يسافرن خارج أرض الوطن، تعلمين سيدتي، أنني كنت سجينا، ربما ليس مثلك، لكنني لا أستطيع الحصول على تأشيرة كي أذهب للبيض الذين اغتصبوك، فقررت كي أرضي زوجتي، أن آتي للسينغال، كي نركب الطائرة لأول مرة، وكي أصاب بالزنوجة في جزيرة غوري...

غوري، وحده جرح جزيرة غوري ما كان يستطيع أن يوارب الباب عن صورتك، وأنت كماكرة حقيقة، تصفعينني بالجاز، وبالكلمات، لينفتح الجرح على سيلان دم أكثر، أنت وغوري وهذا الجاز سرداب بينكما...

الفصل 12

سألت شاعرا، صديقا لي كيف أفك هذا الانحباس الذي فاجأني بغتة، وأن أسرد عشقي على مسامع امرأة تختبئ وراء افتراضاتها وافتراضاتي، لاأشك أنها امرأة من شعر

و كيد، كانت قبلته على الجبين فانوسا، في ممر النفس قدوم الماء، انتظره مثلنا أيها العاشق، سيأتيك محملا على ما لم تتخيله من الكلمات...

يحزنني أنك قررت ألا تزوري حائطي، فقط لأنك قررت ذلك...

كلما كتبت عشقي، أدرك أن هذا الحب أحكم مساميره في وجداني...

كلما كتبت جنوني، أزداد جنونا...

كي يهدأ هذا الارتعاش في دواخلي، ألجأ إلى حائطك الأزرق...

أنقر شغبك...

ملحمة لمحمود درويش...

رقص من مدن الهندوس...

و مقالاتي... وجنوني...

كنت مجنونا بك، كما كنت مجنونا بكل القضايا التي نحرت صبري على مذبح الوجع الوطني...

طول المسافة، بين هذا النحيب، وبلل العين من فرط البكاء، يأتيني بملحمتي المضحكة...

زنوبة...

كذبت على كل الذين سألوني عن اسمها...

لماذا سميت سيارتك بذات الاسم ؟

قلت لهم: والدتي من أهداها هذا الاسم...

والدتي استنكرت الاسم، قبل أن تحبه كما أحبه الوطن برمته...

كانت امرأة، أهدتني كرسيها ذات ليلة، هي من أطلق اسم زنوبة على سيارتي...

كانت خطيئة موشومة بمعيار الجسد، حين ترنحت تحت وطأة الغواية...

في باب محطة القطار، استقبلتها على متن سيارتي، علامات الاحباط بادية على محياها، ارتمت داخل السيارة، وبلهجة حسانية فيها الكثير من الغنج...

- "آنت عندك زنوبة ؟ ؟ ؟"

تذكرت أن زنوبة لا تليق بالنساء، في وطني، تبحث النساء عن المرسيديس،

والسيارات الرباعية الدفع، والشقق الفاخرة، ولمحلات التبضع حيث ينتقمن من برودة عيونهن بالشراء، شراء كل شيء...

لم أبال بتهكم المرأة، فقد كنت في حالة انتصاب...

لكن زنوبة عشقت الاسم، وأفردت له سجل وجودها، كي تتوشح به للأبد...

و يصبح شهرتها...

نشرت الجرائد خبرا يفيد أن عقل سيارات المواطنين، محرم بقوة القانون، فقد صدر حكم لفائدة محام مناضل، يجرم هذا العقل، ويعتبر أن الصفقة التي أبرمتها المجموعة الحضرية، بتوصية من وزير داخلية سابق، غير قانونية...

و رغم ذلك، استمرت الشركة صاحبة الصفقة في عقل سيارات المواطنين، بمباركة السلطة المحلية والمنتخبين الذين صوت عليهم المواطنون ليمثلوهم. أو يحموهم...

أشعل هذا الصراخ في دواخلي، تلك الرغبة في ضرب اللامنطق الذي ينهش كينونتنا، ما للوطن يعري عن مؤخرته بهذا الفجور، كي يعبث بها كل المرتزقة،

و كل تجار الصمت المهين ؟...

حدث مثل هذا، كان يستطيع أن يرمي على منصة المحاسبة كل من تورط في تقديم شوارع المدينة على مذبح النهب، هذا في بلد يحترم مواطنيه، وفي بلد فيه من الحياة ما يزعج حاكميه، وفيه من القضاء ما يصون وجهه وكرامته...

دحرجت زنوبة للشارع الرئيسي في السيارة، وامتنعت عن أداء إتاوة الركن، لتصفد زنوبة...

تركتها مصفدة لمدة سنة ونصف...

رفعت دعاوي كثيرة، وخضت حربا دونكيشوطية ضد الشركة التي تدوس بأصفادها أحكاما قضائية...

أنشئت مجموعة في الفايسبوك تحمل اسم "من اجل إطلاق سراح زنوبة، كي تعلو كلمة القضاء بهذا الوطن"، كنت وحيدا في معركة مضحكة، وانتصرت على جبني وعلى صمت يغلفنا...

في الوطن عطب، يحمل في تعريفه المدني، اسم المواطن، يحدثك الناس بارتياب،

و يمتنعون عن المشاركة فيما يمكن أن يحميهم، فقط لأنه سيحميهم، سنوات من التدجين أورثتنا مواطنين قلقين، وخائفين وانتهازيين، يبحثون في مبادرتك عن دافعك والذي لن يكون سوى نفعيًّ، ربح مادي أو شهرة زائفة...

كان التضامن جميلا...

معذرة لم يكن هناك تضامن، كانت معركة مجنون ضد الجميع، يبتسمون في وجهك

ويشدون على يديك بحرارة، ثم يستهزئون بك ومنك حين تولي ظهرك خارج عيونهم...

صنعت زنوبة وحدي، بكثير من الجنون ومن الحب ومن الإصرار، نجحت في أن أزعج هذا المارد الجاثم على قلوبنا منذ فجر الاستقلال، هل كان للاستقلال فجرٌّ في وطني ؟ام انه جاء متلحفا عباءة الليل، وعواء الذئاب ؟

لم تنته معركة زنوبة، رغم أنها حررت عجلات سيارات المدينة من قيود تتربص بها، هي الآن سجينة مستودع السيارات، تنتظر حكما قضائيا آخر، يحررها.

الفصل 13

كانت الوصلة الثانية مرفقة بالكلمات...

و برسالتك القصيرة: صباحك بلوري، أنا حاضرة لكن لن أدردش معك...

هل أفتح دواوين العرب، وأبحث لك عن بيت شعري، تقطنين فيه، حيث يبحث الشاعر عن رسم لحبيبته، حضورك هو ما عذبني، أنت تمعنين في عذابي بتلك الدردشة التي نجريها على جدارنا الافتراضي الأزرق...

كان الانتهازيون على مدار التاريخ، حين تجابههم بفشلهم، يقولون لك : لِمَ لا تنظر للنصف المملوء من الكأس، أنظر إلى وصلة الجاز، وأقرأ قبلتك لي، وسباحتنا في اللامرئي من الفضاء، لكنني سيدتي بدوي الطباع، ولا أعترف سوى ببوح شفتيك، لم أسمعك يوما تقولين لي، أحبك...

لا أريد رؤية النصف المملوء من الكأس، لأنها في الأسفل دائما، أنت معلقة في سماء الرغبة، مطبقة شفتيك وتبتسمين...

في أي منعرج من هذا الجنون أنت ؟

أي جملة أنت حروفها، ونقطها وفواصلها ؟

أم أن الرعب استبد بك، بعد أن انكشف زيف الحرية والجنون والعشق والمغامرة... ؟

- أنا محترف مغامرات سيدتي...

- و أنا أشبهك، أنا عاشقة مغامرات وجنون وحرية وعشق...

حريتك المعلنة على زرقة حائطك ما أغواني، يتسلل وميض الحداثة في وطني بمشقة الأنفس، وحدها بلدنا تجيد زيف الشعارات، منذ أن أزهر بعض العوسج في شقق صخر الرتابة، نمت شعارات الحرية والديمقراطية والحداثة كأعشاب ضارة في هذا التراب المعجون من دين وخرافة ووهم وسياسة...

بدأ ربيعنا قبل الربيع، بدأ الربيع، وكنت لحظتها في السجن...

آه من سجني...

أعرف أنه لا شيئ كسر في دواخلك ذلك الوهج الذي أغواك بي، غير هذا السجن... معذرة حبيبتي، فقد وعدته بأن أضحي بأي امرأة قربانا لاعتدادي به، يحز في نفسي أن يكون القربان بحجمك، يحز في نفسي، أن لا يغريك هذا الوجع الذي ينساب دما وقيحا وعرقا على مدار صفحات غير دائرية...

كنت في السجن حين مات الملك...

كنت في السجن حين عاش الملك...

للدولة منطقها، وجودها يمزج بين دهشة الموت واحتفالية الاعتلاء، كنت مبهورا بالصدر الأعظم الذي أخفى موت السلطان في الحركة، كي ينقل جثمانه للعاصمة،

وينصب الابن الأصغر ملكا على العرش، ولجت الحداثة لهذا الوطن من الدراجات الهوائية التي اشتراها السلطان الطفل مقابل حفنة من التراب، لا بأس أن يلهو السلطان مقابل البلد برمته...

بكى الكثير الملك الطاغية، أصابنا الاستغراب جميعنا، لم يستغرب منا فقط الذين بكوا بدورهم، هم وحدهم نظروا لعلاقة الطغيان بحرقة الوجد، وفي لحظة محددة، اختفت المعتقلات السرية، وساحات الإعدام، وغلاء المعيشة، والفساد المستشري، والاغتيالات السياسية، وفتحت صفحة بيضاء على رقعة متسخة بكل قاذورات ما بعد الاستقلال...

وحدهم السجناء فرحوا لموت الملك، كان التاريخ يغريهم، المسنون منهم، الذين حضروا موت محمد الخامس، يذكرون كيف أشرعت السجون أبوابها للجميع، ليعاد تعميرها بالحالمين بوطن آخر، لا المجرمين، لا يعيد التاريخ نفسه، التاريخ لا يتذكر أمسه، وحدهم المؤرخون من يكلفون أنفسهم وشم مسيرته بترهاتهم...

كان السجن جزءا من تاريخي، ومن عربدتي...

كان الربيع ينشر الريحان في مفاصل البلاد، الأشجار تزهر أحلاما، وكثير من المقل بدأ يجف دمعها، كان رجال يزرعون الأمل في ذاكرة الوطن، وآخرون يؤثثون شفاه النساء بالبسمة، وشوارب الرجال بقهقهة الفرح...

صادفت في طريقي "أبو منجل"، كان يحمل وجعه وتورثه، عجين من الحلم، ومن هواء فاسد، ومن شكيمة فولاذية، أهدانا خبزا أنقذ البلاد من جوع الانتقام والفوضى، لربما لم يكن خبزا بقمح طري وخميرة حلوى، لكنه أغلق أفواها جائعة لتمزقنا، لم يسمح التاريخ لأبي منجل أن ينتشي بانتصار النمل على خشب السنديان... غادرنا... غادرني...

منحني شرف كسو قبره بالرخام، وترك لنا خلفاء غير راشدين، لم يلتحقوا ببيت سعد بن سقيفة، لكنهم هرولوا باتجاه تواركة، ودار المقري لتبدأ حرب الردة على أشجار تركها أبو منجل صغيرة، لكن عودها تصلب، وجذورها امتدت تحت أديم هذا الوطن...

كان تاريخ وصولك لهذا الوهج الأزرق، إعلانا للحرب ضد هذه الردة...

كنتُ جزءا من هذه الردة...

صورة من دهشة أخرى قادتني إليها وجع الكتابة...

لا نكتب لأنفسنا، في قراءة الآخر لنا تلك اللذة التي يختلط فيها النرجسي بالتوجس والخوف والقلق، لا يُرْعِبُ الكاتب سوى قارئه...

أذكر أنني أرسلت أول خطوطي لأسبوعية المسار، وافترشت قارعة الطريق أنتظر الجريدة...

مر أسبوع ولم ينشر المقال...

مر أسبوعان... كانت الجريدة تأتي فارغة من الفرح...

في الأسبوع الثالث، نط اسمي مطرزا بالأسود على بياض متسخ للأسبوعية... للأسماء علاقة غريبة بصاحبها، جرب أن تبحث عن لقبك في زحام الأسماء... الأسماء تبحث عن أصحابها...

كنت في لائحة طويلة، أسماء أخرى مرتبة تماما كما لو كانت لائحة نتائج امتحانات الشهادة الابتدائية...

تحث الجدول تعليق لرئيس التحرير: على الآتية أسماؤهم أن يكثروا من القراءة... قبل أن يجربوا الكتابة...

ضحكت بهستيرية وفرح، ما يهم كلام رئيس التحرير، فاسمي بالأسود على بياض متسخ للأسبوعية...

حتما سيقرأ أحد ما اسمي، قارئ مهووس بالإعلانات الإدارية، وأخبار التعازي والوفيات...

لا أدري إن كنت قرأت كثيرا، منذ نصيحة رئيس التحرير هذه، لكنني فرحت كثيرا حين نشر اسمي رفقة مقال في جريدة ما...

و فرحت أكثر، حين اعتمدت جريدة يومية، مقالاتي بشكل مستمر...

و أصابني رعب، عند أول حريق تشعله كلماتي، ونما الأصدقاء كالريحان، والأعداء كالعوسج.

لي قراء كثيرون، لكنك قارئتي الوحيدة ودهشتي الوحيدة...

الفصل 14

افرغ من تنهيدة في هذا الزفير الذي يشي بوَجَعٍ، ظل نائما لقرون، وأيقظتِه في ضحكة جنون فايسبوكية...

أرغب في غوايتك، في دهشة الإعجاب التي تلَيِن صوتك، من مساحة الجد فيه، لرخام الغنج، أهديك ما أنزه قطرة قطرة...

لا صهيل لفرس أكتبها بحوافر ذهبية، وأغرق في خوفي وفي قلقي، ما عدت أنام حد الحلم، ولا أشتهي موزا، بل أرسم جسرا يصل بين الفقر والكفاف، الموز هو أول فاكهة يشتهيها الفقراء...

أكتب... أكتب... أكتب

أرسل في صندوقك البريدي جرحي النازف، وأتسمر، أمام هاتفي وأمام شاشة الفايسبوك، كطفل ينتظر لعبة العيد...

كنت أسعدُ لجملة اسمية واحدة: رائعة كتابتك...

و كنت أحلم بجملة فعلية واحدة: أحبك...

يقول النحاة أنها أصلا بصيغة أنا أحبك...

و أن الضمير يختفي حياءً، أو ربما كي يبقى الفعل وحده ليحفر أخدودا في القلب...

ما توقعت صدودك اليوم، ولا هذا الاستخفاف بألمي...

كتبت في بريد صفحتك الزرقاء...

"لا أعدُ الرسائل التي أرسلتها إليك، طلبا لفسحة هواء في هذا الاختناق الذي أحسه، لا أفهم سبب صدك لي، غير نوع من الاستخفاف بما أعانيه من جراء هذا التشظي. آه كم أعاني ياسيدتي، إن ما تسمينه اتفاقا لم أحترمه، كان قرارك وحدك، ما كان لهذا الدمل الذي نما بكثير من القيح والألم، أن ينتظر مساء الإثنين، لست ماكرا، صديقيني، رغم أنني أعترف بأن السارد في منعرجات كثيرة من النص، أجبرني على حبكِ بجنون وبصدق...

أكتب، وأكتب، وأكتب، بعنف وبألم وبدهشة، بكيت كثيرا في مقاطع كتبتها بيدي... كمن يشحذ سكاكين ليجذع كبده، وكنت في كل اندهاش أتوق لرؤيتك، لرؤياك، لذلك التوجيه الحسي الذي يعدل من مساميري، وينير طريقي...

كنت دائما عاشق مغامرات وعاشق انكسارات، تذكرين جيدا ضعف ذاكرتي (كان يستحسن أن أكتب تذكرين جيدا ذاكرتي الضعيفة)، وكيف أنه بين الإفراط والتطرف ضاع بوحك ومعنى عشقي (الصحيح هنا معنى عشقك لي)

بذات حب الانكسار، قررت أن أجتز وجودك من محيطي، (كان يجب كتابة : أجتز وجودك من كينونتي، لأنك تسكنينني)، لا طاقة لي بأن تكوني وحدك من يقويني، وأراك مكتوفة الأيدي لا تفعلين (تسرب خطأ للجملة، والأحسن ألا أراك مكتوفة الأيدي، بل رافضة لفعل أي شيء) أعرف أن رسالتي هذه هي الأخيرة، بعدها سأحذف اسمك من لائحة الأصدقاء، ورقمك من ذاكرة هاتفي، تلك ميزة الذاكرة الضعيفة (كان يجب كتابة، تلك ميزة الذاكرة الضعيفة، لا تستعيد الأشياء دون حاملات)، ستمنعني من محاولة الاتصال بك، حتى ولو كان متطلبا حياتيا (كان يجب أن أكتب : مطلبا حياتيا)،

ألتزم بإرسال بقايا النص في علبتك البريدية (الصحيح هنا : ألتزم بإرسال تتمة النص أو تتمات النص بالجمع، لأن البقايا لا معنى لها هنا)

أعترف أنك المرأة الوحيدة التي نفذت إلى علبتي السوداء، وأشرعتِها على العالم الفسيح، لهذا فقط سأظل أحبك...

يليه اسم عائلي وشخصي...

المواطن في لائحتك، لا علاقة له بوهم اسمه السارد

حذفت اسمك من لائحة الأصدقاء، كمن يستل روحه...

حذفت اسمك ورقم هاتفك من ذاكرة هاتفي...

ثم استلقيت على سريري، أحدق في الفراغ، مصباح لا يكل من الضياء، ورغبة في البكاء...

استقبل هاتفي رسالة نصية، لا اسم هناك، لكن تضاريس رقمك محفور في تاريخ صوتك، لا تصدقي أن ذاكرتي ضعيفة، أنت من رمى في وجهي سباق المسافات الطويلة، وأرعبتك بركضي، ما أجدتِ وظيفة الغريمة، ولا كنت أرنب السباق...

اخترعت طريقة فاشيستية في انتزاع الأحبة من الوجدان، أمسح رسائلهم قبل قراءتها، فلا يتسنى لهم اللوم ولا الاعتذار...

هل أستطيع أن أكتبك بالغياب ؟

أنت قارئتي الوحيدة...

لكنك من اللحظة، ستصمتين، وأنا بحاجة لهمس يفتت ما بقي من صخور الغرانيت في تضاريس وجداني، بحاجة لمن يقرئني، ويصرخ في وجهي، من يعيدني لجنوني إن أصابني مس من التعقل...

لا زال النص خديجا، ولا يمكن وضعه برمته بين أيدي القراء، في لائحتي نساء كثيرات يعشقن الأدب، ويجدن لذة في البوح تعوضهن عن قضيب ما عاد يحسن الإيلاج، يرتخي حين يتحالف مرض السكري، والضغط الدموي، وما تتداوله قناة الجزيرة من حروب، وشتائم رب العمل أو مسؤول في إدارة، وهذا الخوف الموزع بالتساوي بين جميع المواطنين، وغلاء الفياغرا...

صباح الخير سيدتي

صباح الخير، أعجبتني وصلة كريمة الصقلي الموزعة على حائطك، والكلمات المرافقة لها...

هل أعجبتك الأغنية أم الكلمات ؟

الأغنية أنصت إليها سابقا، لكن الكلمات فاجأتني...

الكلمات مقتطف من مشروع رواية بصدد كتابتها، أنا وامرأة صديقة، لم يسبق لي أن التقيتها، هل تحبين أن تقرئي بعض الصفحات ؟

بالتأكيد، فأنا خريجة كلية الآداب، وكنت دائما أتابع ما تكتبه...

أجتز لها قطعة من شهد نسجنا موسيقاه معا، وأبعثه في صندوقها البريدي...

لم أكن أعرف أنك رومانسيا بهذا الشكل، مقالاتك السياسية فيها الكثير من العنف والاستهزاء...

كلماتها باردة مثل الصقيع، يهوى في قعر جنوني ذلك التحدي البليد بقتلك في نفسي... وأتصبب عرقا وألما...

لست رومانسيا سيدتي، ولا أعرف معنى أن تكون كذلك، أنا رجل من بنزين، كنت أتجول في زرقة الفايسبوك، فصادفت امرأة بوهج عود الثقاب...

كان عود الثقاب أول لعبتي...

ألتقطُ تلك اللحظة التي لم يستطع أن يصفها الله في كتبه المقدسة، أقصى ما قاله عن سليمان وهو يحكي حديث الهدهد الذي اختطف بلقيس: قبل أن يرتد إليك طرفك...

كانت نار عود الثقاب تسبق ارتداد طرف العين، وكان توهج الكبريت يلهمني...

يلهم حرائق أشعلتها...

أصبح عود الثقاب مقبرتي...

في علبة بريدي قصيدة نزار قباني، بعنوان اغضب...

لا تصدقي أنني مسحت رسائلك قبل أن أقرأها، كما قلت لك سابقا هنا في حلبة هذا الوجع، فقط كنت أرسم ملامح كبريائي قبل أن أُبتلى بهذا الألم الذي يحمل اسمك، لا تصدقي أنني مسحت رسائلك أصلا، لكن قصيدة نزار قباني وقفت كالسوط في وجه جنوني...

تنبعثين من غضبي كقديسة، مرة أخرى

أتقدم حثيث الخطو في تضاريس وجدانك، كم أحب الإنصات إليك حين أستمع لصوتك...

ضحكت كثيرا حين قرأت المقطع الخاص بخيانتك...

لماذا ضحكت ؟

فقط ضحكت...

عدت للمقطع أتفحصه، وضحكتك تَشكلُ أحرف كلماته وجمله...

كانت ضحكتك في قصيدة الغضب...

تبا لك نزار قباني، فضحت كبرياءنا، وعلقت جراحنا على حبال قصائدك...

"و عندما تريد أن تراني...

و عندما تحتاج كطفل إلى حناني...

فعد إلى قلبي متى تشاء...

لا بد أن تعود ذات يوم...

و قد عرفت ما هو الوفاء... "

كنت تضحكين لهزيمتي السريعة...

كنت بين ثانيتين، أنهار حجرا حجرا، الشوق إليك كالماء، يحفر أخدوده في صخر الكبرياء، وأنت تضحكين ملء الثغر المشتهى...

كان طعم البنفسج قاتلا...

كنت تضحكين انتصارا لغيرتك، ولهزيمتي...

عدت ذليلا، والذل في حضنك شموخ أنبياء...

و كان نزار يعري كل الحب...

- هل تحب نزار... ؟

- أحب سوريا، قلت لك...

لي صديق في دمشق، تاجر قماش، صادفته ذات زنزانة...

لم يكن يحب نزار، ولا بشار

كان يحب باخرة هندية، تأتيه محملة بالأثواب، وبخراطيش من رصاص...

كان جميلا مثل الدمشقيين، ويحلم بفتاة حلبية...

لم يكلمني عن درعا، بل عن قصر يسكنه بشار، وقبالة بابه الخلفية سجن، وأحياء صفيح...

كنت كالأبله أحاول إقناعه بأن سوريا هي حصننا الأخير...

و أنه ما بقي للعرب من نَفَسٍ، بعد اختناق بغداد، غير دمشق...

ضحك ببلاهة، وقال لي: سيدي ليس بالصدود تأكل الأفواه...

ما فائدة رد العدوان برغيف الجياع، ما فائدة شموخ النشامى والأطفال جياع...

ذات صباح، طرقت زنزانته، كي نخرج للباحة نشم هواء حبيسا مثلنا، كان سريره فارغا...

سلموه لبشار، كي يودعه السجن الموجود خلف القصر وبمحاذاة أحياء الصفيح...

لعل صديقي الدمشقي قد مات... فالحكاية قديمة، وكان محكوما بالإعدام...

تفاجئني جمجمته من كل شق ينفذ منه عبق سوري...

من رصاص القنوات الفضائية الذي يقتنص الأبرياء...

من أهازيج إبراهيم قاشوش...

و من أشعار نزار...

كان الدمشقي يقرئني قصيدة نزار، ويزداد غضبي...

غضب بك، ضد هذا الدم الذي يفسد لهونا ومجوننا وشهوتنا وجنوننا...

كتبتِ في آخر القصيدة: اكتب غضبك لي...

لا أريد كتابة سوى هذا الوله، لا أريد كتابة سوى هذا الجنون بك...

الفصل 15

شكرا لقبولكَ صداقتي...

شكرا لطلبكِ صداقتي...

هل كان العالم موجودا قبل الفايسبوك ؟ هذا الجوع النهم والرغبة الشرهة في التواصل تثير الكثير من الدهشة والارتياب، لماذا لا نصافح بعضنا في الشارع العام، ونلقي بطلب صداقاتنا على قارعة الطريق ؟ ألقاكِ في سوق ممتاز، بين صفوف علب الشوكولاتة، أشهر هويتي وأطلب صداقتك، تمدين ورقة تعريفك الوطنية، وتقبلين صداقتي، نمشي سويا أمام الشكولاتة، نفترق، أنت في رف الملابس الداخلية والحفاظات النسائية، وأنا أمام رفوف الأدوات الميكانيكية والبراغي، ثم نلتقي في مرآب السيارات، لنتواعد في الغد...

لا تأتين في الغد...

أو تأتين في موعد غير الذي اتفقنا عليه...

تجدين آثار مروري في رف المواد الغذائية، في الطابق الذي يحوي المورتديلا...

تضعين بإبهامك الجميل "جيم" « j’aime »

تكتبين تعليقا صغيرا: راقب تاريخ صلاحية المورتاديلا، وتضيعين "جيم" أخرى على تعليقك... 

يمر محمد شيكي،الشاعر، صديقنا الذي بكى وهو يضع يده في أتون هذا الجنون، يكتب قصيدة... عن المورتديلا:

مورتديلا : أم أنت انحباس الجنون ؟

ظمأ العاشقين لجوعك الأنثوي الثخين

يا مورتديلا

ما الذي يندس في خباياك ؟

أنت : يا خليط عجيني

يا سجينة جوعي... تهادي قليلا

وكوني شارة لمروري وكوني عبيرا عليلا

كوني صبوتها التي من هنا: تمرُّ قبلي

كوني فتيلا

كوني بيهقا مرا يحاور حيرتي

في سوق المشاعر

كوني مورتديلا...

يضع بدوره "جيم" على قصيدته وعلى التعليق الذي كتبته...

يمر عدنان، ينظر للرف الطويل بارتياب، يقلب علب التُونْ المستوردة... يهمس في دواخله، في البلد كثير من السردين، ومع ذلك يوردون السجون بطاطس مستوردة من مملكة مازيليا...

يكتب تعليقا بفرنسيته الأنيقة... merde

يضع بأصبعه "جيمه"...

على ما كتبه بفرنسيته الأنيقة...

وعلى قصيدة الشاعر...

وعلى تعليقك...

في واجهة السوق، إعلان كبير، يخبر الزائرين أن عدد الأصدقاء ناهز الخمسة الآلاف، ولا يسمح بطلبات أخرى...

الفايسبوك، عصر جيولوجي آخر، تنقرض فيه تضاريس العلاقات الحجرية رويدا رويدا...

الفايسبوك زقاق ومَلاَهٍ، أسواق ممتازة وغرف نوم بسرير واحد، وأخرى للعشاق، بدون سرير...

لحصص الاشتهاء مذاق الغجر بدون أسرة...

و للبوح طعم التوابل الشرقية...

تعليقات