📁 آخر الأخبار

رواية الدبابة، الفصول الأخيرة من 14 إلى 23. إنتهت

  

 

 

الفصول الأخيرة من رواية الدبابة



الفصل الرابع عشر


تحذيرات دون جدوى 

تلقيت مكالمة من إدريس المسؤول المباشر عن توظيفي كمخبرة وتكليفي بملف حميد. 

عاتبني لأني لم أتمكن من مرافقة الهدف إلى مدينة مليلية، أصلا عرفت بخبر دخول حميد إلى مليلية من هذه المكالمة. وعاتبني أيضا لأنني لم أرافقه في سيارته، وتركت له فرصة أن يكون وحده وبالتالي قد يكون اقترف ما لا يمكننا توثيقه بالدليل والحجة.

حدثني يومها إدريس عن رصدهم لمكالمات هاتفية بين حميد وصديق له اسمه البوعزاتي، يتفقان خلالها على إدخال دبابة إلى المغرب. طبعا لم أستغرب للأمر، فالبلد مفتوحة على كل أشكال الاستيراد الشرعية وغير الشرعية، ما المانع أن يدخل حميد دبابة إلى المغرب؟ 

قد تكون له بها حاجة في مهنته كصحافي! 

الصحافة مثل ساحة وغى، كثيرا ما نقرأ في عناوينها أن فلاناً قصف علانا، أو نقرأ عن الجبهة الداخلية، أو جبهة الأغلبية ونقرأ أيضا كيف نفذت ذخيرة هذا الحزب أو ذاك، وكيف أسقط المذيع الفلاني طائرته على حديقة ما.

هي كلها مفردات الحرب، والحرب لا تستقيم بدون هذه الأسلحة.

في الصحافة نحتاج مثل هذه الأسلحة، وبالتأكيد إدخال حميد لدبابة ليوبارد2 الألمانية الصنع يدخل في إطار تعزيز ترسانة موقعه الإلكتروني، وسيتمكن من قصف خصومه الإعلاميين والسياسيين.

اعتقدت أن تخوف إدريس، كمخبر رئيسي، نابع من خوفه على المتعاونين معه من الصحافيين، الذين لا كفاءة لهم ولا شجاعة أيضا في أن يستوردوا دبابات ورشاشات ومدافع يجهزون بها صحافتهم، واعتقدت أيضا أن كل قوتهم أنهم يستعيرون دبابات الدولة وأسلحتها كي يقصفوا بها خصومهم الذين هم خصوم الدولة.

نبهني إدريس بأن لا أكلم حميد في موضوع الدبابة، وأنهم يراقبون الوضع عن كثب، ولا داعي للاستمرار في مهمتي وعلي الدخول إلى العاصمة الرباط إلى حين المناداة علي في مهمة أخرى.

قدرت الخطأ الذي وقعت فيه في عدم مرافقة حميد نحو العاصمة، لكن في أعماقي سررت كثيرا لإحساسي بخوفه على سلامتي، سررت أكثر وهو يتصل بي عبر الهاتف ليطمئن على طريقة تنقلي، امتطائي للقطار، ثم تحرك القطار، ووصوله إلى مختلف المحطات إلى حين وصولي إلى الرباط.

في المقابل هاتفته وأنا أختلق قصة كي ينتبه أكثر إلى ما يحيق به، أخبرته أنني التقيت صدفة المسؤول إدريس في محطة القطار، وأن إدريس هذا، افتعل صدفة لقائي، كونه صادفني في نشاط سياسي كنت بصدد تغطيته، وعلمت منه أنه هنا في الناضور خصيصا لمراقبته.

لم يعر حميد اهتماما لتحذيري، طلب مني الانتباه إلى حالي والدخول مباشرة إلى المنزل، وحينها يمكنني أن أكلمه.


الفصل الخامس عشر

 تخاذل وداد أو تبخرت السحلية
 

كانت وداد غبية.

كانت وداد غبية

بي رغبة أن أصرخ في سماء هذه المدينة الريفية، أن وداد كانت غبية.

منذ أكثر من شهر ونحن نراقب حميد، نراقب دخوله وخروجه، مكالماته ورسائله الإلكترونية.

اكتشفنا أنه يرتب لإدخال دبابة إلى المغرب صدفة. لكن ما أثار انتباهنا هو سلبيته في الطرف الثاني من الخط. 

كان المتصل به هو صديقه البوعزاتي يصرخ متحمسا، بينما حميد يرد عليه بهدوء وبسلبية. هل كان حميد بهذا الذكاء الخارق؟ 

حين قرر السفر إلى الناضور، كنا متأكدين أنه سيدخل الدبابة، وكانت كل القوات مستنفرة خلف الحدود في الجهة المغربية، وكنا متأهبين لاحتمال أي مواجهة بيننا وبينه وهو في دبابته، الرجال مسلحون بالذخيرة الحية، وطائرة مروحية تحلق قريبا من المنطقة، وكانت هناك الكلاب المدربة وفرقة خاصة من الجيش مصحوبة بدبابة حقيقية قادرة على مواجهة دبابة حميد.

رتبنا مع وداد مسألة سفرها معه، ثم مثل هدية من السماء، هو من اقترح عليها مصاحبته. 

كانت التعليمات تفيد بأن لا يفترقا، ووصل الأمر إلى تنبيه صاحب الفندق كي لا يطالبهما بعقد الزواج. 

كان عليها أن تفعل المستحيل، ولا تتنازل عن المكوث معه في الغرفة نفسها. لا أدري كيف استطاع حميد إقناعها بالإبقاء على وضعهما كما كان سابقا: أن يحجزا غرفتين وأن لا يلتقيا إلا ليلا في غرفتها.

كان عليها أن تقنعه.

كان عليها أن تقنعه.

وكان علينا أن ننتبه إلى حسه التنظيمي هذا وأن لا نستهين به.

كل مخابرات الدول الواقعة بين استوانيا ومليلية التابعة لإسبانيا أكدت لنا مرور الدبابة المتوجهة صوب حميد. تم الاتصال على أعلى مستوى كي يُسْمَح لها بالمرور، والوصول إلى أيدي حميد وضبطه بالجرم المشهود، فكيف اختفت في لحظة واحدة؟ 

كيف دخل حميد إلى مليلية وفي نيته إخراج الدبابة، ثم خرج منها دون أن يفعل؟

مونيكا الاختصاصية النفسية التي كانت تراقبه بشكل شبه لصيق، خاصة عند الحاجز الجمركي من الجهة الإسبانية، والتي كانت توجه له فوهة آلتها التي تقيس بها الانفعالات السلوكية، أكدت لنا أن قلب حميد يضرب بقوة، وأن دورته الدموية سريعة، وأن تنفسه مضطرب، وهي كلها مؤشرات على أنه في ورطة أو بصدد القيام بفعل يعرف أنه سيضعه في ورطة. 

لكن مع ذلك خرج حميد من الحاجز الجمركي بدون دبابة، ودون أن يفتشه جمركي واحد.

الفرقة التي تبعته إلى حين سيارته، استغربت سلوكه قليلا، إذ عرج على صخرة توجد على يمين الجدار الحدودي، جلس القرفصاء قليلا، وبدا كأنه يحدث نفسه، ثم ما لبث أن التقط شيئا من الأرض ووضعه في جيبه و انصرف نحو سيارته.

الآن وهو يغادر مدينة الناظور، دون وداد ودون الدبابة، قد وضعنا في قمة الارتباك والتخبط: 

الدبابة اختفت من مدينة مليلية، لكنها لم تدخل إلى المغرب، وحميد مرتبك كمن أدخل الدبابة.

المخابرات الإسبانية والفرنسية والبلجيكية والبريطانية تتساءل عن مصير الدبابة، وقد تتهمنا بالاستيلاء عنها عنوة وإخفاء مصيرها.

ووداد التي كان يمكنها أن تفك هذا اللغز، غائبة عن حميد وعن سيارته.

 

 الفصل السادس عشر

إلى المؤلف

 من السيد حميد

إلى السيد المؤلف.

تحية الأمل وبعد،

أولا أنا أُدِينُ جبنك، لأنك تستغل غيابي الجسدي، لتحشرني في مقدمة سردك التائه هذا. 

ثانيا، وأنا أراقب شطحاتك منذ بداية هذا النص، أطرح السؤال: ماذا يريد المؤلف؟ وإلى أين يقودنا سرده العبثي هذا؟ 

شخصيا، لم أحب تحويل الدبابة إلى سحلية. الفكرة منحت للنص نفسا منخفضا وباردا، ربما يشبه برودة السحالي وقزميتها. كنت أفضل أن يكون الدخول إلى المغرب، دخولا اقتحاميا، أن تتراجع الدبابة خطوتين إلى الوراء، تم تزمجر بأعلى ما يوفره لها محركها من صوت وسرعة، وتتقدم إلى الأمام صادمة كل الحواجز العسكرية و الجمركية، لتجد نفسها في الجهة المحسوبة على المغرب.

قد يفهم من ذلك أن لشخصيتي الروائية مرامي تحررية، تسعى إلى تخليص مدينة مليلية من ربقة الاستعمار الإسباني.

الآن وقد رهنت مصيري بهذه السحلية، أتمنى أن تسرع في الوصول إلى نهاية هذا النص، كي نكتشف نتائج شطحاتك هذه، ونخلص أنفسنا والقراء من كل هذا الهراء الذي نسجته بربط مصائرنا جميعا، البوعزاتي ووداد وادريس وبشرى وأنا والسحلية.

عزائي الوحيد أنه بعد نهاية هذا التيه، سنموت نحن في صفحاته وتظل أنت مصلوبا على الطاولة تتلقى سياط النقد والقراءة.

تحياتي.

 

 الفصل السابع عشر

حاجز تازة

 كان علي أن أصرخ بأعلى صوتي.

أن أنصب الحراشف التي تشكل عرفا على رقبتي، أجحظ عيناي حتى ينزلقا من محجريهما، كي يقف حميد ويركن السيارة إلى قارعة الطريق.

نظر إلي مستغربا:

• ماذا بك؟
• أنت تمشي بسرعة كبيرة، وأنا سواء كسحلية أو كدبابة ليوباردو 2 ، لا تتعدى سرعتي 40 كلم في الساعة، وهذا التفاوت في السرعات يحدث ضغطا هوائيا على أعضائي الجسدية كسحلية، وعلى مكوناتي المعدنية والالكترونية كدبابة، لذا رجاء حاول أن لا تتجاوز هذه السرعة.

نظر إلي حميد مستغربا.

• لكن أمامنا أكثر من 500 كلم، كيف سنصل بهذه السرعة، ومتى سنصل؟
• لا حل لنا، لأن حدوث هذه المنطقة المغناطيسية سيؤثر على وظائفي، وهناك احتمال كبير أن أتحول وأعود كما كنت: دبابة ليوباردو 2 وإن وقع ذلك في سيارتك، فهذا يعني أنها ستنفجر من الداخل وستكون أنت أول ضحية لهذا التحول، ثم سينفضح أمرك أمام الجميع.
• لكنني سأكون ميتا؟ لينفضح إذا.

تحرك حميد بسيارته دون أن يتجاوز الأربعين كيلوميترا في السرعة، الغضب يعلو سحنته، وعيناه شاردتان على الطريق التي تنسحب تحت عجلات سيارته ببطء شديد.

عند مدخل مدينة تازة، كان هناك سد قضائي.

طابور السيارات يسير ببطء، ولا تتحرك السيارة الواقفة عند إشارة قف، إلا بإذن ضابط الشرطة الذي يتفحص راكبها بدقة متناهية.

حين وصل دور سيارة حميد، تأمله الضابط وأفرج عن ابتسامة محتشمة قبل أن يطلب منه ركن سيارته على اليمين.

استغرب حميد لإشارة الضابط.

• مرحبا أستاذ حميد، هل يمكننا رؤية أوراق السيارة.
• بطبيعة الحال.

مد حميد أوراق سيارته إلى الضابط. هذا الأخير طلب منه فتح صندوق السيارة، وهو ما امتثل له حميد.

بعد عملية تفتيش الصندوق، ابتعد الضابط عن السيارة، وشرع في الحديث عبر جهاز التواصل اللاسلكي قبل أن يعود إلى السيارة ويمد الأوراق إلى حميد.

• تفضل أستاذ حميد، طريق السلامة.

كان الليل قد بدأ يرخي سدوله، لكن الطريق ما زالت طويلة.

• أستاذ حميد، لا أدري إن كنت تنوي التوقف أم الاستمرار في المسير، لكن أحس بجوع كبير، كما أن مكوثي في هذه العلبة الكرتونية لأكثر من عشر ساعات من المسير متعب.
• حسنا، سنتوقف في محطة الاستراحة، لا أدري ما الذي تحبذين أكله، أحشيش ينبت في الأرض، أو بنزين ككل الدبابات؟ 
• لا عليك، ضعني في حديقة باحة الاستراحة، سأقضي حاجتي وألتهم بعض الحشائش أو أصطاد بعض الحشرات، ثم ستجدني مستعدةلإتمام المسير.

 

حين وصلنا إلى باحة الاستراحة، انصرف حميد إلى المقهى، بينما تسللت أنا وسط النباتات المزروعة بشكل عشوائي على جنبات البنايات التي تكون هذه الباحة.

 

 الفصل الثامن عشر

 
الدبابة تقتات الحشيش

 

هل أنا حقا في ورطة؟ 

ماذا لو تحولت السحلية فجأة إلى دبابة، كما كانت في الأصل؟

وأنا أرتشف قهوتي السوداء في مقهى باحة الاستراحة، فتحت محرك البحث غوغل، ثم نقرت: إدخال الدبابة إلى المغرب.

مئات الروابط تتحدث عن تداول وحمل الأسلحة في المغرب وخارج المغرب.

وثيقة حول مكتب شؤون نزع السلاح التابع للأمم المتحدة، وهي الوثيقة التي تشير إلى الدبابة كجزء مما يسمى الأسلحة التقليدية، ويتحدث عن المعاهدة الذي بدأ تنفيذها في 24 دجنبر 2014 والتي لا يوجد بينها المغرب كموقع ولا كمصادق.

وثائق حول قوانين تعامل المواطن المغربي مع الأسلحة، بدء من الأسلحة العتيقة من متفجرات تقليدية وكربون وغيرها إلى الأسلحة الكيماوية والبيولوجية، مرورا بما يسمى الأسلحة التقليدية والتي تم حصرها في الأسلحة الخفيفة في آخر تعديل لهذا القانون في 2012، أي البنادق الخفيفة والمسدسات بأعيرة مختلفة وكلاشينكوفات ورشاشات صغيرة يمكن فكها وتركيبها فوق سيارات.

لكن ليس هناك إشارة إلى امتلاك وحيازة الدبابة في المغرب.

وهذا فراغ قانوني يمكن تفسيره لصالحي، فلا جريمة ولا عقاب إلا بالنص.

وليس هناك نص يمنعني من إدخال وحيازة الدبابة.

ارتشفت الجرعة الأخيرة في فنجان القهوة، وخرجت نحو السيارة بحثا عن ليوباردو 2 أو السحلية.

انتبهت إلى أنه ما كان علي تركها وحدها بين الحشيش والأشجار في باحة الاستراحة.

ماذا لو تاهت؟ 

ماذا لو تم إرباكها من طرف كلب أو قط أو أي حيوان ضال في هذا الخلاء؟ واضطرت إلى أن تتحول إلى دبابة؟

تذكرت في غمرة ارتباكي أننا لم نتفق على كيفية اللقاء ولم نتفق على طريقة النداء عليها. 

كيف لي أن أجد هذه السحلية التي لا يزيد طولها عن العشرين سنتيمترا؟ 

لأول مرة تنتابني رغبة في أن تتحول هذه السحلية الغريبة إلى أصلها الأول، إلى دبابة ليوباردو 2 ، كي أتمكن من رؤيتها وتحديد مكانها.

دام الأمر أكثر من نصف ساعة، قبل أن تخرج ليوباردو 2 من بين الحشائش، وتكلمني بصوتها الذي يشبه حشرجة الآلات: السيد حميد، أنا جاهزة. يمكننا مواصلة المسير.

كتمت غيظي، حملتها ووضعتها في العلبة الكارتونية، وانطلقنا باتجاه مدينة سلا.

 

 الفصل التاسع عشر

 رسالة...


 من المؤلف 

إلى السيد حميد

جوابا عن رسالتك السابقة والتي تعترض فيها على تحويل الدبابة ليوباردو 2 إلى سحلية، وتقترح مكانها دخولا تراجيديا عبر بوابة مليلية المحتلة، لزم علي توضيح ما يلي:

1. كان الهدف من النص هو إعطاء نفس عاد لحادثة دخول الدبابة إلى المغرب، في محاولة لبناء نص سردي مختلف حول واقعة لها بعض التأصيل التاريخي في تاريخنا الوطني.
2. الدخول الملحمي الذي اقترحته لا يخدم هذا البناء من وجهة نظري على الأقل، ربما يعطي صورة بطولية عن شخصيتكم، لكن هذا في حد ذاته ليس مهما، بالنسبة لي وللنص على الأقل.
3. صحيح أننا سائرون، أنت والشخصيات التي تصاحبك في هذا السرد، وأنا معكم، نحو تيه لا علم لأحد بمنتهاه. صراحة بعد أن كبر النص، لم أعد أهتم إلى أين مسيره، ليس تهاونا ولا عبثا، ولكن لإيماني العميق أن النص محمول على أرجل شخوصه، يسير نحو هدفه المرسوم من طرف آلياته الذاتية، وأنه لا دور للمؤلف في تحديد هذا الهدف.
4. لا أدري إن أتيحت لك التجول في سوق النقد المغربي، لكن كن مطمئنا، سنموت جميعا في هذا النص، مؤلفا وشخصيات وحكايات، ولن يعيرنا أحد أي اهتمام.

وتقبل فائق تحياتي.

 

 الفصل العشرون

قرار السدة

 وصلت باكرا إلى القصر الملكي. 

في قاعة الاجتماعات، حيث سنلتقي بالملك، كان هناك رئيس الحكومة، ووزير الداخلية، وكبير الجنرالات، والمستشار الأعظم للملك.

كانوا جالسين قبلي ينتظرون وصول الملك.

لا أحد يكلم أحد.

ألقيت تحيتي المعتادة، وانزويت في ركن إلى طاولة الاجتماعات.

صوت أحد الخدم يشق الصمت الذي يرون:

• الله يطول في عمر سيدي.

فتحت الباب، ودخل الملك الذي أمرنا بالجلوس بعد أن قفزنا واقفين على إثر صراخ الخادم

طلب من مستشاره أن يقرأ التقرير الذي بين يديه.

المستشار:

• نعم أعزكم الله.

عن مخبرتنا وداد، عن مخبرنا إدريس، عن مخبرنا عمر، عن مخبرنا فتاح، عن مخبرتنا نعيمة، أخبرونا جميعهم بأن المدعو حميد كان على تواصل مع عنصر خطير اسمه البوعزاتي، وبعد نقاش مستفيض بينهما قررا أن يدخلا دبابة إلى المغرب. 

وفي رصدنا لهذه التحركات، وبتنسيق مع المخابرات الإسبانية والفرنسية والبلجيكية والبريطانية، تم التوصل إلى أن البوعزاتي قد اقتنى بالفعل دبابة من نوع ليوباردو 2 وذلك من محل مملوك لزعيم مافيا اسمه ابولو، ويساعده في ذلك شخص صربي اسمه ماركو، وأن هذا الأخير سهر على إيصالالدبابة إلى مليلية، بعدما طلبنا من مخابرات دول العبور تسهيل مرورها.

لقد تم رصد المدعو حميد وهو يدخل إلى مليلية في اليوم الذي تم الاتفاق فيه على التسليم، لكنه خرج راجلا كما دخل، بينما اختفت الدبابة من الوجود .

مخبرتنا وداد لم تتمكن من أقناعه لمرافقته في رحلة عودته إلى الرباط، كما أن بعض تصرفاتها وسلوكها يثير الريبة، لذا هناك توصية من المسؤول عنها السيد إدريس، ومعتمدة من كبيرة المخبرين، السيدة نعيمة، تنصح بالاستغناء عنها.

تم رصد المدعو حميد وهو يعود إلى الرباط بسيارته، لكن ببطء شديد، ربما لعطل فيها.

هذا ما لدينا أعزكم الله، نضعه بين أيديكم للمشورة والقرار السديد.

توجه الملك نحو رئيس الوزراء:

• ما رأيكم سعادة الرئيس؟
• الرأي رأيكم، والقرار قراركم يا صاحب الجلالة.

ثم توجه نحو رئيس المخابرات:

• ما رأي جنابكم؟
• جلالة الملك، الدول التي عبرت منها الدبابة مستاءة من اختفائها، وقد أمهلونا أربعة أيام للكشف عن مصير الدبابة، وإلا سيطلبون انعقاد مجلس الأمن.

رفع وزير الداخلية أصبعه، فناوله الملك الكلمة:

• تفضل 
• صاحب الجلالة أعزكم الله، أعتقد أن للمدعو حميد علاقة باختفاء الدبابة، ويكفي اعتقاله وتكليف رجالنا به ليكشف عن مصيرها.

توجه الملك نحو الجنرال:

• ما رأيك؟
• الرأي رأيك جلالة الملك، لكن أعتقد أن نترك المدعو حميد إلى حين وصوله إلى سلا، ونشدد عليه المراقبة لمدة يومين أو ثلاثة، قد يرتكب خطأ ويكشف عن مكان الدبابة.

رفع المستشار الأعظم يده، فناوله الملك الكلمة.

• رأيي من رأي كبير الجنرالات، على أن يتكلف وزير الخارجية بطلب مهلة أسبوع أو أكثر من دول العبور للكشف عن مصير الدبابة. وطبعا سنخصص للسيد حميد حفلة استثنائية بعد طي هذا الملف.

رفع الملك الاجتماع، بعدما أوكل، كعادته، لكبير المستشارين أمر تدبير هذا الملف وإمداده بالتطورات اللاحقة.

أعتذر لعدم الكشف عن هويتي بطلب من المؤلف، ولاعتبارات أمنية وفنية.

 
 الفصل الواحد والعشرون

هل كان هذيانا

 وصل حميد متأخرا ليلتها، كانت علامات التعب بادية على سحنته وفي عينيه شرود غريب.

قبلني ببرودة، وطلب مني تجهيز الحمام.

حين انتهى من حمامه، لبس بيجامته وخرج مسرعا نحو مرآب السيارة، ثم عاد مباشرة إلى الحمام حيث غسل يديه من بقايا تراب علق به.

استدار نحوي وهو يمسح كفيه بمنشفة: 

• بشرى، لقد أدخلت الدبابة
• ماذا تقول؟ كيف أدخلت دبابة وأين هي؟ 
• هي في الأسفل، عند جذع النخلة الموجودة في مدخل الإقامة

قفزت نحو النافذة لاستطلع الأمر، لا شيء يشي بأن هناك دبابة في المرآب، سيارات الجيران مركونة كالعادة في أماكنها، سيارة حميد بدورها مركونة في مكانها.

نظرت إلى حميد، وقد انتابني شعور مخيف حول احتمال أن يكون قد مس في سلامته العقلية:

• حميد، هل أنت بخير؟ هل وقع شيء ما في رحلتك إلى الناضور؟ 

أمسك بكفي بحنو كما عادته حين يريد أن يشرح لي أمرا من الأمور، نختلف حوله أو يقدر أنني لم أفهمه.

• عزيزتي بشرى، لقد دخلت إلى مليلية، واستلمت الدبابة، وعدت بها من هناك إلى مدينة سلا، وهي الآن مركونة عند جذع النخلة كما شرحت لك، وغدا في الصباح سأنقلها إلى مكتب الصحيفة، وهناك سأفرد لها مكانا قريبا من شرفة مكتبي، في مواجهة القادمين الذين سيتجرؤون على النيل مني أو من موقعي الصحفي، سأستمر في معركتي، ليس بالقلم وحده، ولا بحصص الفيديو التي أبثها من صالوننا الجميل، ولكن أيضا بالمدفعية الثقيلة، ولو اقتضى الأمر، سأطلب من البوعزاتي إرسال طائرات حربية، وصواريخ طوماهوك، وغواصات بحرية.... الصحافة في هذا البلد يا حبيبتي تلزمها ترسانة جيوش الحروب العالمية وليس الأقلام الحرة والمواقف المبدئية.

 

ألقيت نظرة من شباك الشقة نحو جذع النخلة التي أشار إليها حميد، لم تكن هناك أي دبابة، فقط أثار تقليب التربة خفيف وغير مرئي.... لكن هل يكون حميد قد أصيب بالجنون؟ 

التفتُ نحوه، وأمسكت يديه، وحاولت طمأنته:

• حميد، ربما عليك زيارة طبيب نفسي، أنت إنسان مثقف ومتفتح، وما تعانيه الآن مؤشر على أن هناك خللا في تقديرك العقلي للأمور، وزيارة الطبيب ليست عيبا، ويمكنها تقويم حالتك في بدايتها وقبل أن تستفحل الأمور.

نظر إلي غاضبا:

• لماذا تقولين ذلك؟ أنا بصحة جيدة، وعقلي يشتغل جيدا، هو يؤرقني لأنني بواسطته أفكر في فقراء هذا البلد، في الذين ينهبون ثرواته، في مستقبل أبنائنا وفي وضعك أنت كامرأة، لكنني لست مجنونا وعقلي سليم.
• لكنك تهذي بأشياء غير موجودة، تتحدث عن دبابة وعن شخص اسمه البوعزاتي والأدهى أنك تدعي أنك أدخلت هذه دبابة من بوابة مليلية وأنك ركنتها قرب جذع النخلة في حديقة الإقامة، وبنظرة واحدة من شرفة الشقة، لا تظهر دبابة ولا هم يحزنون، إذا أنت تهذي وتفكيرك ليس على ما يرام... طبعا هذا إذا لم تكن قاصدا لهذه الحالة وتريد من ورائها إتعابي وربما تدمير صحتي العقلية لتتخلص مني.

علت وجه حميد ابتسامة خفيفة، وأمسك بكف بشرى:

• لست أهذي، وأعرف ما أقول، والدبابة شيء حقيقي، وأدخلتها من بوابة مليلية وركنتها في جذع النخلة التي تطلبن عليها من النافذة، وستظهر لك الأيام صحة سلامتي العقلية، ولا حاجة لي بطبيب نفسي الآن... بي حاجة إلى وجبة عشاء لذيذة من يديك، وبي حاجة أكثر إلى حضنك.

كان حميد ليلتها رجلا مختلفا، كان مختلفا عن كل الليالي التي أمضيناها ركضا وراء غزال الشهوة في رقعة سريرنا الجميل.

 الفصل 22

الفريسة في المصيدة

صوت طائرة مروحية يقترب رويدا رويدا، صوت الطائرة يقترب ويحدث ضجيجا كبيرا، الضجيج لا يطاق، كأن المروحية في الشقة.

استيقظ حميد مذعورا، استيقظت قبله بشرى مذعورة كذلك، حملقا في بعضهما، وقفزا نحو نافذة غرفة النوم التي تطل على حديقة الإقامة.

كانت الدبابة تربض بكل أبهتها هناك، بالقرب من النخلة المزروعة في مدخل الباب.

مدفعيتها مصوبة نحو السماء، وباب قمرتها مفتوح.

نظر حميد إلى زوجته بشرى مبتسما، كان فرح طفولي يغمره.

وكانت بشرى في حيرة من أمرها.

امتلأت حديقة الإقامة بعناصر مسلحة بألبسة مختلفة، فيالق عديدة تتمترس خارج الإقامة وقد اتخذت وضعيات الهجوم، عناصر بزي مدني تحمل في يديها أجهزة الاتصال اللاسلكي، وتربط اتصالات مع جهات أخرى، عناصر بلباس أنيق يشي بمراتبها العليا في أجهزة أمنية ما، تتحدث في الهاتف وتعطي تقارير بخشوع ظاهر، والطائرة المروحية تحوم حول المكان في دائرة تصغر حينا وتكبر أحيانا، كأنها تستطلع محيط المكان وتبحث إن كانت هناك دبابة أخرى غير هذه التي استقدمها حميد.

بعد نصف ساعة، وصلت إلى مقربة من العمارة شاحنة عسكرية وأربع دبابات... اتخذت مواقع هجومية في الأركان الأربعة للإقامة، ووجهت فوهاتها نحو دبابة حميد، بينما رشاشات الجنود وجهت نحو باب العمارة التي توجد بها شقة حميد.

خرج حميد من باب العمارة، يرتدي سترته البنية وربطة العنق المزركشة ويحمل في يديه حقيبته الجلدية التي تحوي حاسوبه الشخصي.

صوت جهوري يصرخ لحظة خروجه من العمارة: 

• استعداد.

تُسمع طقطقات البنادق والرشاشات، وينحني الجنود الرماة على ركبهم في وضعية استعداد لإطلاق النار.

لم يضطرب حميد ولم يجزع لهذا الجو المشحون برائحة الغضب والموت، بل توجه نحو الدبابة التي استقدمها، وتسلق ظهرها حيث وقف بين المدفع والقمرة، وضع حقيبته جانبا، وفك ربطة عنقه قليلا وتوجه نحو الحشد الغفير المكون من الجنود ورجال المخابرات والبوليس ومسؤولين عديدين وجدوا أنفسهم في هذه الورطة، وقال مخاطبا إياهم:

يا قوم، أنا أخوكم حميد، صحافي في هذا البلد الذي أحبه مثلكم، ابن ترابهومائه، أكتب ما لا يكتبه الآخرون، أكتب عن الفساد وعن الثروة المهربة وعن الظلم الذي يطال المواطنين وعن وضعية المأجورين ومعاناة عناصر الجيش والموظفين وأكتب عن الجياع والمقهورين فلماذا توجهون إلي بنادقكم ورشاشاتكم؟

أمن أجل هذه الدبابة؟ 

أمن أجل حلم سكننا سويا أنا وصديقي البوعزاتي؟ في أن نمتلك دبابة نلوذ بقمرتها ونصوب مدفعها نحو مؤخرات وسيقان بنات الدوار؟ ثم كبر الحلم فخمنت أن الدبابة ستسعفني في تدبير شؤون الموقع الصحفي الذي أديره؟ أمن أجل حلم تعبئون كل هذه القوات؟ ولا تفعلون ذلك من أجل جياع تقضي ليلها على الأرصفة، ومن أجل مرضى لا يجدون فرصا للتداوي؟ ومن أجل عاطلين انكسر الحلم بالمستقبل في عيونهم؟ 

لا تنزعجوا، سأحمل الدبابة في حقيبتي، وستتخلصون من وجودها الذي يزعجكم.

أنهى حميد خطبته، ونزل عن ظهر الدبابة...

كانت العناصر المسلحة في حالة ذهول مما يقع، بين وضعية الاستعداد لإطلاق النار على حميد ووضعية الاسترخاء...

وكان حميد يقف بجانب الدبابة، واضعا شفتيه على قفل خزان البنزين فيها ويهمس فيه كأنه يكلمها في أذنها:

• عودي يا ليوباردو سحلية كما كنت، عودي كي أحملك في حقيبتي وانصرف من هنا. وراءنا عمل كثير ينتظرنا في الموقع، وأنت في وضعك هذا تعرقلين عملي وتستنفرين وضعا أمنيا خطيرا يعلم الله كيف ينتهي.

لم تنتبه الدبابة لمنتجاته، صمت قليلا، ثم عاد إلى الحديث إليها:

• ما كان عليك أن تتحولي إلى شكلك هذا الآن، وربما ما كان عليك أن تتحولي إلى أبدا إلى شكلك الحالي الآن ومستقبلا، كي أتمكن من وضعك على مكتبي وأستعين بك لقصف كل الأعداء الذين يحيطون بي.

تراجع حميد قليلا، وهو ينظر بإحباط إلى الدبابة، وضع حقيبته على الأرض، وجلس على ركبتيه رافعا يديه في حركة استسلام كما في أفلام الحرب الأمريكية.

 

الفصل الثالث والعشرون


ليست خاتمة

 هل كان حميد في حاجة إلى دبابة؟ 

هل كنت في الحاجة إلى كتابة هذا النص؟

هل من المنطقي أن تكون وداد عميلة للمخابرات وخادمة مطيعة للبوليس؟

هل كان البوعزاتي صديق طفولة حميد؟ 

هل كان علينا أن نعيش هذا العبث في زمن يتفرج فيه العالم علينا عبر السماء المفتوحة لثورة التواصل والإعلاميات؟ 

هل من الضروري أن أنهي هذا النص اللعين؟ 

لا أعتقد... لا أعتقد.... لا أعتقد.

عبد العزيز العبدي
عبد العزيز العبدي
تعليقات