لا أدري ماذا سيقع بعد أن حاز أبولو مبلغ 800 ألف يورو من البوعزاتي. المفروض أن يفي بوعده ويمكنه من الدبابة التي أراد اقتناءها، وعليه أيضًا أن يوصلها إلى حيث طلب منه البوعزاتي ذلك، أي الحدود الفاصلة بين مدينة مليلية والمغرب، كي يتسلمها حميد ويدخلها إلى المغرب.
شخصية أبولو لم يعد لها أي دور بعد الآن، وعليَّ أن أفكر في إعطاء الكلمة لشخصيات أخرى كي يكتمل بناء الرواية كما هو مرسوم في ذهني. من هذا المنطلق، قررت أن أتكلم أنا بدوري. لست السارد، ولست الراوي. أنا المتلصص على الجميع، أجمع شتات الحكي وأرتبه على الصفائح كي أعرضه على الناس عند اكتماله.
لم تقنعني شخصية بشرى. ربما تمثلها في الواقع غير مغرٍ، ولا يبدو عليها أنها إنسانة رومانسية قادرة على إلهامي مكتوبًا شفافًا وإيروتيكيا أستطيع أن أؤثث به هذا الكرنفال الحكائي. لذا، عليَّ أن أستدعي أنثى أخرى إلى هذا الحفل، كي نحبك شرنقة الحكي التي سيسقط فيها القارئ، كيفما كانت درجة تفاعله مع الرواية. الأنوثة مصيدة القراءة، في تفاعل الكاتب معها، وفي انزلاق القارئ نحو رغوتها الفاتنة، أيا كان القارئ: أنثى بدورها أو ذكرًا.
سيبقى حميد سلبيًا تجاه واقعة تسلمه الدبابة. لا يمكنه رفضها، لأن في ذلك موتًا للحكاية، والقارئ ما زال ينتظر كيف سيتعامل مع هذا الحدث: أي تسلمه للدبابة وإدخالها إلى أرض الوطن.
صدقًا، بدوري لا أعرف كيف ستصل هذه الدبابة إلى حدود المغرب، وكيف سيتم إدخالها. لكنني لا أتصور الرواية بدون هذا الحدث، ولا يمكن القفز عليه.
حين شرعت في جمع أشلاء هذا النص، اعترتني عراقيل كثيرة، منها: هل أنا مؤهل لكتابة رواية؟ ثم، ما معنى أن تكتب رواية؟
كنت أعتقد سابقًا أن الرواية والحكي متماهيان، واحدة تشبه الأخرى. واكتشفت، أنه لفرط وحدتي وعزلتي، كنت في حاجة إلى أن أحكي، لا إلى أن أكتب رواية. وهو ما شرعت فيه في تجارب سابقة؛ نجحت كحكاء، لكنني فشلت كروائي...
هذا، على الأقل، ما قاله بضعة نقاد.
لذا، قبل أن أكتب "الدبابة"، عرجت على مراجع عديدة لاقتفاء عناصر هوية هذا الجنس المسمى رواية، فاكتشفت أنه لا يعني سوى الحكي كما أمارسه، لكنه مقنن بتقنيات وضعها النقاد، لا الروائيون. وهي تقنيات لا تعمل سوى على كبح جماح المبدع أكثر، ولا تعطيه حرية الطيران في سماء الجنون الحكائي.
حين شرعت في تدوين الجمل الأولى لهذه المحكية، وجدت نفسي أطبق بعض هذه التقنيات الغريبة. فكان أن تسللت خارج النص، ومنحت الصوت إلى كل الفاعلين في بناء هذه الحكاية. وما زالت شخصيات أخرى قادمة ستتكلم بدورها، دون أن أستحوذ على حقها في الكلام، ولا في وصف حالتها النفسية أو الاجتماعية. لها وحدها الحق في فعل ذلك.
لكن من أنا هنا؟ لست السارد بالتأكيد، ولا الراوي. أنا فقط القارئ الأول لهذه المحكية. لا أريد أن أتواضع هنا، لكن ما قبل هذا النص الذي تقرأه، وما سيليه من تفاصيل تخص "الدبابة"، ووصولها إلى المغرب، وتسلمها من طرف حميد، كان مكتوبًا سلفًا في مكان ما.
قمت بنسخه على الورق كما ورد على لسان شخوصه. وما دام بين يديك، فهذا يعني أنني وضبته وصححته وحملته إلى المطبعة وتم طبعه قبل أن يصل إليك. وهذا بالطبع مبعث فخر لي، لكن لا علاقة له بجسد النص الذي يحكي واقعة شبه متخيلة.
سأخرج من النص الآن لنتمم بناء هذا المعمار الحكائي. قد أعود وقد لا أعود...
